صفحة 1 من اصل 2 • 1, 2
عبد الرحمن
لبيك يا الله
الرسائل
النقاط
البلد
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكريات تائب
الحمد لله غافر الذنب .. وقابل التوب ..
شديد العقاب ذي الطول .. لا إله إلا هو إليه المصير ..
الحمد لله الذي يقول للشيء كن فيكون .. وبرحمته نجى موسى وقومه من فرعون ..
الحمد لله الذي كان نعم المجيب لنوح لما دعاه .. وبرحمته كشف الضر عن يونس إذ ناداه ..
وسبحان من كشف الضر عن أيوب .. ورد يوسف بعد طول غياب إلى يعقوب ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. صلى الله وسلم وبارك عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار ..
وما تعاقب الليل والنهار ..
أما بعد :
فهذه ذكريات .. ومشاعر وهمسات ..
أفضى بها التائبون .. واعتبر بها المذنبون ..
نعم .. هي ذكريات .. اعترف بها كهول هدهم مر السنوات ..
وشباب لعبت بهم الشهوات ..
وفتيات ولغن في الملذات ..
هي ذكريات .. مرت وانقضت .. وانتهت ونُسيت ..
لكنها سجلت وكتبت .. وأحصيت وعُدّت ..
* * * * * * * * *
نعم ..
هذه ذكريات تائب .. واعترافات منيب وراغب ..
في زمن كثرت فيه المغريات .. وتنوعت الشهوات ..
وزلت بكثير من الناس الأقدام .. فقارفوا المعاصي والآثام ..
فضعف إيمانهم .. وقوي عليهم شيطانهم ..
إنها ذكريات .. لمن يؤمن بقوله تعالى : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم } ..
كما يؤمن بقوله : { وأن عذابي هو العذاب الأليم } ..
* * * * * * * * *
هذه أخبار أقوام أخبر ربهم .. أنه يفرح بتوبة التائبين إليه ..
مع غناه عنهم .. وشدة حاجتهم إليه ..
وكيف لا يفرح بتوبتهم .. وقد ناداهم بقوله :
يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم ..
وناداهم نبيهم بقوله :
إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار .. ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل .. حتى تطلع الشمس من مغربها ..
* * * * * * * * *
أول هؤلاء التائبين ..
شيخ كبير .. نجلس إليه .. بعدما كبر سنه .. ورق عظمه .. وكف بصره ..
وهو يحكي ذكريات شبابه ..
نجلس إلى كعب بن مالك رضي الله عنه ..
وهو يحكي ذكرياته .. في تخلفه عن غزوة تبوك ..
وكانت آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم ..
آذن النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوهم ..
وجمع منهم النفقات لتجهيز الجيش .. حتى بلغ عدد الجيش ثلاثين ألفاً ..
وذلك حين طابت الظلال الثمار ..
في حر شديد .. وسفر بعيد .. وعدو قوي عنيد ..
وكان عدد المسلمين كثيراً .. ولم تكن أسماؤهم مجموعة في كتاب ..
قال كعب – كما في الصحيحين - :
وأنا أيسر ما كنت .. قد جمعت راحلتين .. وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد ..
وأنا في ذلك أصغي إلى الظلال .. وطيب الثمار ..
فلم أزل كذلك .. حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً بالغداة ..
فقلت : أنطلق غدا إلى السوق فأشتري جهازي .. ثم ألحق بهم ..
فانطلقت إلى السوق من الغد .. فعسر علي بعض شأني .. فرجعت ..
فقلت : أرجع غدا إن شاء الله فألحق بهم .. فعسر عليَّ بعض شأني أيضاً ..
فقلت : أرجع غدا إن شاء الله .. فلم أزل كذلك ..
حتى مضت الأيام .. وتخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فجعلت أمشي في الأسواق .. وأطوف بالمدينة ..
فلا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق .. أو رجلاً قد عذره الله ..
* * * * * * * * *
نعم تخلف كعب في المدينة .. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى بأصحابه الثلاثين ألفاً ..
حتى إذا وصل تبوك .. نظر في وجوه أصحابه .. فإذا هو يفقد رجلاً صالحاً ممن شهدوا بيعة العقبة ..
فيقول صلى الله عليه وسلم : ما فعل كعب بن مالك ؟!
فقال رجل : يا رسول الله .. خلفه برداه والنظر في عطفيه ..
فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت .. والله يا نبي الله ما علمنا عليه إلا خيراً ..
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
* * * * * * * * *
قال كعب :
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك .. وأقبل راجعاً إلى المدينة .. جعلت أتذكر .. بماذا أخرج به من سخطه .. وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ..
حتى إذا وصل المدينة .. عرفتُ أني لا أنجو إلا بالصدق ..
فدخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة .. فبدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين .. ثم جلس للناس ..
فجاءه المخلفون .. فطفقوا يعتذرون إليه .. ويحلفون له ..
وكانوا بضعة وثمانين رجلاً .. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم .. واستغفر لهم .. ووكل سرائرهم إلى الله ..
وجاءه كعب بن مالك .. فلما سلم عليه .. نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم .. ثم تبسَّم تبسُّم المغضب ..
ثم قال له : تعال ..
فأقبل كعب يمشي إليه .. فلما جلس بين يديه ..
قال له صلى الله عليه وسلم : ما خلفك .. ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟
قال : بلى ..
قال : فما خلفك ؟!
فقال كعب : يا رسول الله .. إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا .. لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر .. ولقد أعطيت جدلاً ..
ولكني والله لقد علمت .. أني إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به علي .. ليوشكن الله أن يسخطك علي ..
ولئن حدثتك حديث صدق .. تجد عليَّ فيه .. إني لأرجو فيه عفوَ الله عني ..
يا رسول الله .. والله ما كان لي من عذر ..
والله ما كنت قط أقوى .. ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ..
ثم سكت كعب ..
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه .. وقال :
أما هذا .. فقد صدقكم الحديث .. فقم .. حتى يقضي الله فيك ..
فقام كعب يجر خطاه .. وخرج من المسجد .. مهموماً مكروباً .. لا يدري ما يقضي الله فيه ..
فلما رأى قومه ذلك .. تبعه رجال منهم .. وأخذوا يلومونه .. ويقولون :
والله ما نعلمك أذنبت ذنباً قط .. قبل هذا .. إنك رجل شاعر ..
أعجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ..
هلا اعتذرت بعذر يرضى عنك فيه .. ثم يستغفر لك .. فيغفر الله لك ..
قال كعب :
فلم يزالوا يؤنبونني .. حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي ..
فقلت : هل لقي هذا معي أحد ؟
قالوا : نعم .. رجلان قالا مثل ما قلت .. فقيل لهما مثل ما قيل لك ..
قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع .. وهلال بن أمية ..
فإذا هما رجلان صالحان قد شهدا بدراً .. لي فيهما أسوة ..
فقلت : والله لا أرجع إليه في هذا أبداً .. ولا أكذب نفسي ..
* * * * * * * * *
ثم مضى كعب رضي الله عنه .. حزيناً .. كسير النفس .. وقعد في بيته ..
فلم يمضِ وقت .. حتى نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلام كعب وصاحبيه ..
قال كعب :
فاجتنبنا الناس .. وتغيروا لنا .. فجعلت أخرج إلى السوق .. فلا يكلمني أحد ..
وتنكر لنا الناس .. حتى ما هم بالذين نعرف ..
وتنكرت لنا الحيطان .. حتى ما هي بالحيطان التي نعرف ..
وتنكرت لنا الأرض .. حتى ما هي بالأرض التي نعرف ..
فأما صاحباي فجلسا في بيوتهما يبكيان .. جعلا يبكيان الليل والنهار .. ولا يطلعان رؤوسهما .. ويتعبدان كأنهما الرهبان ..
وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم .. فكنت أخرج .. فأشهد الصلاة مع المسلمين .. وأطوف في الأسواق .. ولا يكلمني أحد ..
وآتي المسجد فأدخل ..
وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ..
فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟
ثم أصلي قريباً منه .. فأسارقه النظر .. فإذا أقبلت على صلاتي .. أقبل إلي ..
وإذا التفتُّ نحوه .. أعرض عني ..
* * * * * * * * *
ومضت على كعب الأيام .. والآلام تلد الآلام ..
وهو الرجل الشريف في قومه ..
بل هو من أبلغ الشعراء .. عرفه الملوك والأمراء ..
وسرت أشعاره عند العظماء .. حتى تمنوا لقياه ..
ثم هو اليوم .. في المدينة .. بين قومه .. لا أحد يكلمه .. ولا ينظر إليه ..
حتى .. إذا اشتدت عليه الغربة .. وضاقت عليه الكربة .. نزل به امتحان آخر :
فبينما هو يطوف في السوق يوماً ..
إذا رجل نصراني جاء من الشام ..
فإذا هو يقول : من يدل على كعب بن مالك ..
فطفق الناس يشيرون له إلى كعب .. فأتاه .. فناوله صحيفة من ملك غسان ..
من ملك غسان ..!!
إذاً قد وصل خبره إلى بلاد الشام .. واهتم به ملك الغساسنة .. فماذا يريد الملك ؟!!
فتح كعب الرسالة فإذا فيها ..
أما بعد .. يا كعب بن مالك .. إنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك ..
ولست بدار مضيعة ولا هوان .. فالحق بنا نواسك ..
فلما أتم قراءة الرسالة .. قال رضي الله عنه : إنا لله .. قد طمع فيَّ أهل الكفر ..
هذا أيضاً من البلاء والشر ..
ثم مضى بالرسالة فوراً إلى التنور .. فأشعله ثم أحرقها فيه ..
ولم يلتفت كعب إلى إغراء الملك ..
نعم فُتح له باب إلى بلاط الملوك .. وقصور العظماء .. يدعونه إلى الكرامة والصحبة ..
والمدينة من حوله تتجهمه .. والوجوه تعبس في وجهه ..
يسلم فلا يرد عليه السلام ..
ويسأل فلا يسمع الجواب ..
ومع ذلك لم يلتفت إلى الكفار ..
ولم يفلح الشيطان في زعزعته .. أو تعبيده لشهوته ..
ألقى الرسالة في النار .. وأحرقها ..
* * * * * * * * *
ومضت الأيام تتلوها الأيام .. وانقضى شهر كامل .. وكعب على هذا الحال ..
والحصار يشتد خناقه .. والضيق يزداد ثقله ..
فلا الرسول صلى الله عليه وسلم يُمضي .. ولا الوحي بالحكم يقضي ..
* * * * * * * * *
فلما اكتملت أربعون يوماً ..
فإذا رسول من النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى كعب .. فيطرق عليه الباب ..
فيخرج كعب إليه .. لعله جاء بالفرج .. فإذا الرسول يقول له :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ..
قال : أطلقها .. أم ماذا ؟
قال : لا .. ولكن اعتزلها ولا تقربها ..
فدخل كعب على امرأته وقال : الحقي بأهلك ..
فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ..
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحبي كعب بمثل ذلك ..
فجاءت امرأة هلال بن أمية .. فقالت :
يا رسول الله .. إن هلال بن أمية شيخ كبير ضعيف .. فهل تأذن لي أن أخدمه ..؟
قال : نعم .. ولكن لا يقربنك ..
فقالت المرأة : يا نبي الله .. والله ما به من حركة لشيء ..
ما زال مكتئباً .. يبكي الليل والنهار .. منذ كان من أمره ما كان ..
* * * * * * * * *
ومرت الأيام ثقيلة على كعب ..واشتدت الجفوة عليه ..حتى صار يراجع إيمانه ..
يكلم المسلمين ولا يكلمونه ..
ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يرد عليه ..
فإلى أين يذهب ..!! ومن يستشير !؟
قال كعب رضي الله عنه :
فلما طال عليَّ البلاء .. ذهبت إلى أبي قتادة .. وهو ابن عمي .. وأحب الناس إليَّ .. فإذا هو في حائط بستانه .. فتسورت الجدار عليه ..
ودخلت .. فسلمت عليه ..
فوالله ما رد علي السلام ..
فقلت : أنشدك الله .. يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فسكت ..
فقلت : يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فسكت ..
فقلت : أنشدك الله .. يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فقال : الله ورسوله أعلم ..
سمع كعب هذا الجواب .. من ابن عمه وأحب الناس إليه .. لا يدري أهو مؤمن أم لا ؟
فلم يستطع أن يتجلد لما سمعه .. وفاضت عيناه بالدموع ..
ثم اقتحم الحائط خارجاً ..
وذهب إلى منزله .. وجلس فيه ..
يقلب طرفه بين جدرانه .. لا زوجة تجالسه .. ولا قريب يؤانسه ..
وقد مضت عليهم خمسون ليلة .. من حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامهم
..
* * * * * * * * *
وفي الليلة الخمسين .. نزلت توبتهم على النبي صلى الله عليه وسلم ثلث الليل ..
فقالت أم سلمة رضي الله عنها :
يا نبي الله .. ألا نبشر كعب بن مالك ..
قال : إذا يحطمكم الناس .. ويمنعونكم النوم سائر الليلة ..
فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر .. آذن الناس بتوبة الله علينا ..
فانطلق الناس يبشرونهم ..
قال كعب :
وكنت قد صليت الفجر على سطح بيت من بيوتنا ..
فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى .. قد ضاقت علي نفسي .. وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت ..
وما من شيء أهم إليّ .. من أن أموت .. فلا يصلي عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم .. أو يموت .. فأكون من الناس بتلك المنزلة .. فلا يكلمني أحد منهم .. ولا يصلي عليَّ ..
فبينما أنا على ذلك ..
إذ سمعت صوت صارخ .. على جبل سلع بأعلى صوته يقول :
يا كعب بن مالك ! .. أبشر ..
فخررت ساجداً .. وعرفت أن قد جاء فرج من الله ..
وأقبل إليَّ رجل على فرس .. والآخر صاح من فوق جبل ..
وكان الصوت أسرع من الفرس ..
فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني .. نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه ..
والله ما أملك غيرهما ..
واستعرت ثوبين .. فلسبتهما ..
وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فتلقاني الناس فوجاً .. فوجاً ..
يهنئوني بالتوبة .. يقولون : ليهنك توبة الله عليك ..
حتى دخلت المسجد .. فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
وهو يبرق وجهه من السرور .. وكان إذا سُرَّ استنار وجهه .. حتى كأنه قطعة قمر ..
فقال لي : أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك ..
قلت : أمن عندك يا رسول الله .. أم من عند الله ؟
قال : لا .. بل من عند الله .. ثم تلا الآيات ..
فلما جلست بين يديه ..
قلت : يا رسول الله ! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله .. وإلى رسوله ..
فقال : أمسك عليك بعض مالك .. فهو خير لك ..
فقلت : يا رسول الله ! إن الله إنما نجاني بالصدق .. وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت ..
* * * * * * * * *
نعم .. تاب الله على كعب وصاحبيه .. وأنزل في ذلك قرءاناً يتلى ..
فقال عز وجل :
{ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } ..
* * * * * * * * *
ومن فرح الله بالتائبين إليه أنه لا يغفر سيئاتهم فقط .. كلا .. بل يبدل سيئاتهم حسنات .. قال عز وجل :
{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً } .. وفي البخاري أن حكيم بن حزام رضي الله عنه أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
أي رسول الله .. أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية .. من صدقة أو .. عتِاقة .. أو صلة رحم .. أفيها أجر ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ..
الله أكبر ..
الذنوب تغفر .. والسيئات تبدل حسنات .. والحسنات أيام الجاهلية تثبت لصاحبها بعد التوبة .. فماذا بقي !
* * * * * * * * *
هو التواب الرحيم .. الذي وسعت رحمته كل شيء ..
لكن رحمته قريبة من المحسنين .. الرجاعين التائبين ..
الذين إذا أذنبوا استغفروا .. وإذا ذُكِّروا ذكروا ..
فليست المشكلة في وقوع الذنب .. لكن المشكلة الكبرى .. والداهية العظمى ..
هي أن يألف المرء الذنب .. ثم يتساهل بخطره .. فلا يحدث منه توبة ..
والله رحيم بعباده ..
رحمته أسرع من غضبه ..
ومغفرته أعجل من عقوبته ..
هو والله أرحم بعباده .. من آبائهم وأمهاتهم ..
في الصحيحين :
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى من حرب هوازن .. أُتي إليه بعد المعركة .. بأطفال الكفار ونسائهم .. ثم جمعوا في مكان ..
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليهم .. فإذا امرأة من السبي .. أم ثكلى .. تجر خطاها .. تبحث عن ولدها .. وفلذة كبدها ..
قد اضطرب أمرها .. وطار صوابها .. واشتدّ مصابها ..
تطوف على الأطفال الرضع .. تنظر في وجوههم .. يكاد ثديها يتفجر من احتباس اللبن فيه ..
تتمنى لو أن طفلها بين يديها .. تضمه ضمة .. وتشمه شمة .. ولو كلفها ذلك حياتها ..
فبينما هي على ذلك ..
إذ وجدت ولدها .. فلما رأته جف دمعها .. وعاد صوابها ..
ثم انكبت عليه .. وانطرحت بين يديه .. وقد رحمت جوعه وتعبه .. وبكاءه ونصبه ..أخذت تضمه وتقبله ..
ثم ألصقته بصدرها .. وألقمته ثديها ..
فنظر الرحيم الشفيق إليها .. وقد أضناها التعب .. وعظم النصب ..
وقد طال شوقها إلى ولدها .. واشتد مصابه ومصابها ..
فلما رأى ذلها .. وانكسارها .. وفجيعتها بولدها ..
التفت إلى أصحابه ثم قال :
أتُرَون هذه .. طارحة ولدها في النار .. يعني لو أشعلنا ناراً وأمرناها أن تطرح ولدها فيها .. أترون أنها ترضى ..
فعجب الصحابة الكرام : كيف تطرحه في النار .. وهو فلذة كبدها .. وعصارة قلبها ..كيف تطرحه .. وهي تلثمه .. وتقبله .. وتغسل وجهه بدموعها .. كيف تطرحه ..
وهي الأم الرحيمة .. والوالدة الشفيقة ..
قالوا : لا .. والله .. يا رسول الله .. لا تطرحه في النار .. وهي تقدر على أن لا تطرحه ..
فقال صلى الله عليه وسلم : والله .. لله .. أرحم بعباده من هذه بولدها ..
* * * * * * * * *
نعم .. ربنا أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا ..
ومن سعة رحمته .. أنه عرض التوبة على كل أحد ..
مهما أشرك العبد وكفر .. أو طغى وتجبر ..
فإن الرحمة معروضة عليه .. وباب التوبة مشرع بين يديه ..
وانظر إلى ذاك الشيخ الهرم .. الذي .. كبر سنه .. وانحنى ظهره .. ورق عظمه ..
أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهو جالس بين أصحابه يوماً ..
يجر خطاه .. وقد سقط حاجباه على عينيه .. وهو يدّعم على عصا ..
جاء يمشي .. حتى قام بين يديّ النبي صلى الله عليه وسلم .. فقال بصوت تصارعه الآلام ..
يا رسول الله .. أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها .. فلم يترك منها شيئاً ..
وهو في ذلك لم يترك حاجة .. ولا داجة .. أي صغيرة ولا كبيرة .. إلا أتاها ..
لو قسّمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم .. فهل لذلك من توبة ؟
فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره إليه .. فإذا شيخ قد انحنى ظهره .. واضطرب أمره ..
قد هده مر السنين والأعوام .. وأهلكته الشهوات والآلام ..
فقال له صلى الله عليه وسلم : فهل أسلمت ؟
قال : أما أنا .. فأشهد أن لا إله إلا الله .. وأنك رسول الله ..
فقال صلى الله عليه وسلم : تفعل الخيرات .. وتترك السيئات .. فيجعلهن الله لك خيرات كلهن ..
فقال الشيخ : وغدراتي .. وفجراتني ..
فقال : نعم ..
فصاح الشيخ : الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر ..
فما زال يكبر حتى توارى عنهم ..
الحديث : رواه الطبراني والبزار ، وقال المنذري : إسناده جيد قوي ،وقال ابن حجر هو على شرط الصحيح .
* * * * * * * * * *
وذكر ابن قدامة في التوابين ..
أن بني إسرائيل .. لحقهم قحط على عهد موسى عليه السلام .. فاجتمع الناس إليه ..
فقالوا : يا كليم الله .. ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث ..
فقام معهم .. وخرجوا إلى الصحراء .. وهم سبعون ألفاً أو يزيدون ..
فقال موسى عليه السلام : إلهي .. اسقنا غيثك .. وانشر علينا رحمتك .. وارحمنا بالأطفال الرضع .. والبهائم الرتع .. والمشايخ الركع ..
فما زادت السماء إلا تقشعاً .. والشمس إلا حرارة ..
فقال موسى : إلهي .. اسقنا ..
فقال الله : كيف أسقيكم ؟ وفيكم عبد يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة .. فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم .. فبه منعتكم ..
فصاح موسى في قومه : يا أيها العبد العاصي .. الذي يبارز الله منذ أربعين سنة .. اخرج من بين أظهرنا .. فبك منعنا المطر ..
فنظر العبد العاصي .. ذات اليمين وذات الشمال .. فلم ير أحداً خرج .. فعلم أنه المطلوب ..
فقال في نفسه : إن أنا خرجت من بين هذا الخلق .. افتضحت على رؤوس بني إسرائيل .. وإن قعدت معهم منعوا لأجلي .. فانكسرت نفسه .. ودمعت عينه ..
فأدخل رأسه في ثيابه نادماً على فعاله .. وقال : إلهي .. وسيدي .. عصيتك أربعين سنة ..وأمهلتني .. وقد أتيتك طائعاً .. فاقبلني .. وأخذ يبتهل إلى خالقه ..
فلم يستتم الكلام .. حتى ارتفعت سحابة بيضاء ..فأمطرت كأفواه القرب ..
فعجب موسى وقال : إلهي .. سقيتنا .. وما خرج من بين أظهرنا أحد ..
فقال الله : يا موسى سقيتكم بالذي به منعتكم ..
فقال موسى : إلهي .. أرني هذا العبد الطائع ..
فقال : يا موسى .. إني لم أفضحه وهو يعصيني .. أأفضحه وهو يطيعني ..
* * * * * * * * * *
نعم .. غفر الله له ..
ولماذا لا يغفر له العزيز الرحيم وهو الذي قال :
{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ! لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } .. وصح عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى :
( يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ..
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي..
يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة )
ذكريات تائب
الحمد لله غافر الذنب .. وقابل التوب ..
شديد العقاب ذي الطول .. لا إله إلا هو إليه المصير ..
الحمد لله الذي يقول للشيء كن فيكون .. وبرحمته نجى موسى وقومه من فرعون ..
الحمد لله الذي كان نعم المجيب لنوح لما دعاه .. وبرحمته كشف الضر عن يونس إذ ناداه ..
وسبحان من كشف الضر عن أيوب .. ورد يوسف بعد طول غياب إلى يعقوب ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. صلى الله وسلم وبارك عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار ..
وما تعاقب الليل والنهار ..
أما بعد :
فهذه ذكريات .. ومشاعر وهمسات ..
أفضى بها التائبون .. واعتبر بها المذنبون ..
نعم .. هي ذكريات .. اعترف بها كهول هدهم مر السنوات ..
وشباب لعبت بهم الشهوات ..
وفتيات ولغن في الملذات ..
هي ذكريات .. مرت وانقضت .. وانتهت ونُسيت ..
لكنها سجلت وكتبت .. وأحصيت وعُدّت ..
* * * * * * * * *
نعم ..
هذه ذكريات تائب .. واعترافات منيب وراغب ..
في زمن كثرت فيه المغريات .. وتنوعت الشهوات ..
وزلت بكثير من الناس الأقدام .. فقارفوا المعاصي والآثام ..
فضعف إيمانهم .. وقوي عليهم شيطانهم ..
إنها ذكريات .. لمن يؤمن بقوله تعالى : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم } ..
كما يؤمن بقوله : { وأن عذابي هو العذاب الأليم } ..
* * * * * * * * *
هذه أخبار أقوام أخبر ربهم .. أنه يفرح بتوبة التائبين إليه ..
مع غناه عنهم .. وشدة حاجتهم إليه ..
وكيف لا يفرح بتوبتهم .. وقد ناداهم بقوله :
يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم ..
وناداهم نبيهم بقوله :
إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار .. ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل .. حتى تطلع الشمس من مغربها ..
* * * * * * * * *
أول هؤلاء التائبين ..
شيخ كبير .. نجلس إليه .. بعدما كبر سنه .. ورق عظمه .. وكف بصره ..
وهو يحكي ذكريات شبابه ..
نجلس إلى كعب بن مالك رضي الله عنه ..
وهو يحكي ذكرياته .. في تخلفه عن غزوة تبوك ..
وكانت آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم ..
آذن النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة غزوهم ..
وجمع منهم النفقات لتجهيز الجيش .. حتى بلغ عدد الجيش ثلاثين ألفاً ..
وذلك حين طابت الظلال الثمار ..
في حر شديد .. وسفر بعيد .. وعدو قوي عنيد ..
وكان عدد المسلمين كثيراً .. ولم تكن أسماؤهم مجموعة في كتاب ..
قال كعب – كما في الصحيحين - :
وأنا أيسر ما كنت .. قد جمعت راحلتين .. وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد ..
وأنا في ذلك أصغي إلى الظلال .. وطيب الثمار ..
فلم أزل كذلك .. حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً بالغداة ..
فقلت : أنطلق غدا إلى السوق فأشتري جهازي .. ثم ألحق بهم ..
فانطلقت إلى السوق من الغد .. فعسر علي بعض شأني .. فرجعت ..
فقلت : أرجع غدا إن شاء الله فألحق بهم .. فعسر عليَّ بعض شأني أيضاً ..
فقلت : أرجع غدا إن شاء الله .. فلم أزل كذلك ..
حتى مضت الأيام .. وتخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فجعلت أمشي في الأسواق .. وأطوف بالمدينة ..
فلا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق .. أو رجلاً قد عذره الله ..
* * * * * * * * *
نعم تخلف كعب في المدينة .. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى بأصحابه الثلاثين ألفاً ..
حتى إذا وصل تبوك .. نظر في وجوه أصحابه .. فإذا هو يفقد رجلاً صالحاً ممن شهدوا بيعة العقبة ..
فيقول صلى الله عليه وسلم : ما فعل كعب بن مالك ؟!
فقال رجل : يا رسول الله .. خلفه برداه والنظر في عطفيه ..
فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت .. والله يا نبي الله ما علمنا عليه إلا خيراً ..
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
* * * * * * * * *
قال كعب :
فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك .. وأقبل راجعاً إلى المدينة .. جعلت أتذكر .. بماذا أخرج به من سخطه .. وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ..
حتى إذا وصل المدينة .. عرفتُ أني لا أنجو إلا بالصدق ..
فدخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة .. فبدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين .. ثم جلس للناس ..
فجاءه المخلفون .. فطفقوا يعتذرون إليه .. ويحلفون له ..
وكانوا بضعة وثمانين رجلاً .. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم .. واستغفر لهم .. ووكل سرائرهم إلى الله ..
وجاءه كعب بن مالك .. فلما سلم عليه .. نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم .. ثم تبسَّم تبسُّم المغضب ..
ثم قال له : تعال ..
فأقبل كعب يمشي إليه .. فلما جلس بين يديه ..
قال له صلى الله عليه وسلم : ما خلفك .. ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟
قال : بلى ..
قال : فما خلفك ؟!
فقال كعب : يا رسول الله .. إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا .. لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر .. ولقد أعطيت جدلاً ..
ولكني والله لقد علمت .. أني إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به علي .. ليوشكن الله أن يسخطك علي ..
ولئن حدثتك حديث صدق .. تجد عليَّ فيه .. إني لأرجو فيه عفوَ الله عني ..
يا رسول الله .. والله ما كان لي من عذر ..
والله ما كنت قط أقوى .. ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ..
ثم سكت كعب ..
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه .. وقال :
أما هذا .. فقد صدقكم الحديث .. فقم .. حتى يقضي الله فيك ..
فقام كعب يجر خطاه .. وخرج من المسجد .. مهموماً مكروباً .. لا يدري ما يقضي الله فيه ..
فلما رأى قومه ذلك .. تبعه رجال منهم .. وأخذوا يلومونه .. ويقولون :
والله ما نعلمك أذنبت ذنباً قط .. قبل هذا .. إنك رجل شاعر ..
أعجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ..
هلا اعتذرت بعذر يرضى عنك فيه .. ثم يستغفر لك .. فيغفر الله لك ..
قال كعب :
فلم يزالوا يؤنبونني .. حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي ..
فقلت : هل لقي هذا معي أحد ؟
قالوا : نعم .. رجلان قالا مثل ما قلت .. فقيل لهما مثل ما قيل لك ..
قلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع .. وهلال بن أمية ..
فإذا هما رجلان صالحان قد شهدا بدراً .. لي فيهما أسوة ..
فقلت : والله لا أرجع إليه في هذا أبداً .. ولا أكذب نفسي ..
* * * * * * * * *
ثم مضى كعب رضي الله عنه .. حزيناً .. كسير النفس .. وقعد في بيته ..
فلم يمضِ وقت .. حتى نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلام كعب وصاحبيه ..
قال كعب :
فاجتنبنا الناس .. وتغيروا لنا .. فجعلت أخرج إلى السوق .. فلا يكلمني أحد ..
وتنكر لنا الناس .. حتى ما هم بالذين نعرف ..
وتنكرت لنا الحيطان .. حتى ما هي بالحيطان التي نعرف ..
وتنكرت لنا الأرض .. حتى ما هي بالأرض التي نعرف ..
فأما صاحباي فجلسا في بيوتهما يبكيان .. جعلا يبكيان الليل والنهار .. ولا يطلعان رؤوسهما .. ويتعبدان كأنهما الرهبان ..
وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم .. فكنت أخرج .. فأشهد الصلاة مع المسلمين .. وأطوف في الأسواق .. ولا يكلمني أحد ..
وآتي المسجد فأدخل ..
وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ..
فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟
ثم أصلي قريباً منه .. فأسارقه النظر .. فإذا أقبلت على صلاتي .. أقبل إلي ..
وإذا التفتُّ نحوه .. أعرض عني ..
* * * * * * * * *
ومضت على كعب الأيام .. والآلام تلد الآلام ..
وهو الرجل الشريف في قومه ..
بل هو من أبلغ الشعراء .. عرفه الملوك والأمراء ..
وسرت أشعاره عند العظماء .. حتى تمنوا لقياه ..
ثم هو اليوم .. في المدينة .. بين قومه .. لا أحد يكلمه .. ولا ينظر إليه ..
حتى .. إذا اشتدت عليه الغربة .. وضاقت عليه الكربة .. نزل به امتحان آخر :
فبينما هو يطوف في السوق يوماً ..
إذا رجل نصراني جاء من الشام ..
فإذا هو يقول : من يدل على كعب بن مالك ..
فطفق الناس يشيرون له إلى كعب .. فأتاه .. فناوله صحيفة من ملك غسان ..
من ملك غسان ..!!
إذاً قد وصل خبره إلى بلاد الشام .. واهتم به ملك الغساسنة .. فماذا يريد الملك ؟!!
فتح كعب الرسالة فإذا فيها ..
أما بعد .. يا كعب بن مالك .. إنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك ..
ولست بدار مضيعة ولا هوان .. فالحق بنا نواسك ..
فلما أتم قراءة الرسالة .. قال رضي الله عنه : إنا لله .. قد طمع فيَّ أهل الكفر ..
هذا أيضاً من البلاء والشر ..
ثم مضى بالرسالة فوراً إلى التنور .. فأشعله ثم أحرقها فيه ..
ولم يلتفت كعب إلى إغراء الملك ..
نعم فُتح له باب إلى بلاط الملوك .. وقصور العظماء .. يدعونه إلى الكرامة والصحبة ..
والمدينة من حوله تتجهمه .. والوجوه تعبس في وجهه ..
يسلم فلا يرد عليه السلام ..
ويسأل فلا يسمع الجواب ..
ومع ذلك لم يلتفت إلى الكفار ..
ولم يفلح الشيطان في زعزعته .. أو تعبيده لشهوته ..
ألقى الرسالة في النار .. وأحرقها ..
* * * * * * * * *
ومضت الأيام تتلوها الأيام .. وانقضى شهر كامل .. وكعب على هذا الحال ..
والحصار يشتد خناقه .. والضيق يزداد ثقله ..
فلا الرسول صلى الله عليه وسلم يُمضي .. ولا الوحي بالحكم يقضي ..
* * * * * * * * *
فلما اكتملت أربعون يوماً ..
فإذا رسول من النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى كعب .. فيطرق عليه الباب ..
فيخرج كعب إليه .. لعله جاء بالفرج .. فإذا الرسول يقول له :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ..
قال : أطلقها .. أم ماذا ؟
قال : لا .. ولكن اعتزلها ولا تقربها ..
فدخل كعب على امرأته وقال : الحقي بأهلك ..
فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ..
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحبي كعب بمثل ذلك ..
فجاءت امرأة هلال بن أمية .. فقالت :
يا رسول الله .. إن هلال بن أمية شيخ كبير ضعيف .. فهل تأذن لي أن أخدمه ..؟
قال : نعم .. ولكن لا يقربنك ..
فقالت المرأة : يا نبي الله .. والله ما به من حركة لشيء ..
ما زال مكتئباً .. يبكي الليل والنهار .. منذ كان من أمره ما كان ..
* * * * * * * * *
ومرت الأيام ثقيلة على كعب ..واشتدت الجفوة عليه ..حتى صار يراجع إيمانه ..
يكلم المسلمين ولا يكلمونه ..
ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يرد عليه ..
فإلى أين يذهب ..!! ومن يستشير !؟
قال كعب رضي الله عنه :
فلما طال عليَّ البلاء .. ذهبت إلى أبي قتادة .. وهو ابن عمي .. وأحب الناس إليَّ .. فإذا هو في حائط بستانه .. فتسورت الجدار عليه ..
ودخلت .. فسلمت عليه ..
فوالله ما رد علي السلام ..
فقلت : أنشدك الله .. يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فسكت ..
فقلت : يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فسكت ..
فقلت : أنشدك الله .. يا أبا قتادة .. أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟
فقال : الله ورسوله أعلم ..
سمع كعب هذا الجواب .. من ابن عمه وأحب الناس إليه .. لا يدري أهو مؤمن أم لا ؟
فلم يستطع أن يتجلد لما سمعه .. وفاضت عيناه بالدموع ..
ثم اقتحم الحائط خارجاً ..
وذهب إلى منزله .. وجلس فيه ..
يقلب طرفه بين جدرانه .. لا زوجة تجالسه .. ولا قريب يؤانسه ..
وقد مضت عليهم خمسون ليلة .. من حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامهم
..
* * * * * * * * *
وفي الليلة الخمسين .. نزلت توبتهم على النبي صلى الله عليه وسلم ثلث الليل ..
فقالت أم سلمة رضي الله عنها :
يا نبي الله .. ألا نبشر كعب بن مالك ..
قال : إذا يحطمكم الناس .. ويمنعونكم النوم سائر الليلة ..
فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الفجر .. آذن الناس بتوبة الله علينا ..
فانطلق الناس يبشرونهم ..
قال كعب :
وكنت قد صليت الفجر على سطح بيت من بيوتنا ..
فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى .. قد ضاقت علي نفسي .. وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت ..
وما من شيء أهم إليّ .. من أن أموت .. فلا يصلي عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم .. أو يموت .. فأكون من الناس بتلك المنزلة .. فلا يكلمني أحد منهم .. ولا يصلي عليَّ ..
فبينما أنا على ذلك ..
إذ سمعت صوت صارخ .. على جبل سلع بأعلى صوته يقول :
يا كعب بن مالك ! .. أبشر ..
فخررت ساجداً .. وعرفت أن قد جاء فرج من الله ..
وأقبل إليَّ رجل على فرس .. والآخر صاح من فوق جبل ..
وكان الصوت أسرع من الفرس ..
فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني .. نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه ..
والله ما أملك غيرهما ..
واستعرت ثوبين .. فلسبتهما ..
وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فتلقاني الناس فوجاً .. فوجاً ..
يهنئوني بالتوبة .. يقولون : ليهنك توبة الله عليك ..
حتى دخلت المسجد .. فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
وهو يبرق وجهه من السرور .. وكان إذا سُرَّ استنار وجهه .. حتى كأنه قطعة قمر ..
فقال لي : أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك ..
قلت : أمن عندك يا رسول الله .. أم من عند الله ؟
قال : لا .. بل من عند الله .. ثم تلا الآيات ..
فلما جلست بين يديه ..
قلت : يا رسول الله ! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله .. وإلى رسوله ..
فقال : أمسك عليك بعض مالك .. فهو خير لك ..
فقلت : يا رسول الله ! إن الله إنما نجاني بالصدق .. وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت ..
* * * * * * * * *
نعم .. تاب الله على كعب وصاحبيه .. وأنزل في ذلك قرءاناً يتلى ..
فقال عز وجل :
{ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ *وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } ..
* * * * * * * * *
ومن فرح الله بالتائبين إليه أنه لا يغفر سيئاتهم فقط .. كلا .. بل يبدل سيئاتهم حسنات .. قال عز وجل :
{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً } .. وفي البخاري أن حكيم بن حزام رضي الله عنه أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
أي رسول الله .. أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية .. من صدقة أو .. عتِاقة .. أو صلة رحم .. أفيها أجر ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ..
الله أكبر ..
الذنوب تغفر .. والسيئات تبدل حسنات .. والحسنات أيام الجاهلية تثبت لصاحبها بعد التوبة .. فماذا بقي !
* * * * * * * * *
هو التواب الرحيم .. الذي وسعت رحمته كل شيء ..
لكن رحمته قريبة من المحسنين .. الرجاعين التائبين ..
الذين إذا أذنبوا استغفروا .. وإذا ذُكِّروا ذكروا ..
فليست المشكلة في وقوع الذنب .. لكن المشكلة الكبرى .. والداهية العظمى ..
هي أن يألف المرء الذنب .. ثم يتساهل بخطره .. فلا يحدث منه توبة ..
والله رحيم بعباده ..
رحمته أسرع من غضبه ..
ومغفرته أعجل من عقوبته ..
هو والله أرحم بعباده .. من آبائهم وأمهاتهم ..
في الصحيحين :
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى من حرب هوازن .. أُتي إليه بعد المعركة .. بأطفال الكفار ونسائهم .. ثم جمعوا في مكان ..
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليهم .. فإذا امرأة من السبي .. أم ثكلى .. تجر خطاها .. تبحث عن ولدها .. وفلذة كبدها ..
قد اضطرب أمرها .. وطار صوابها .. واشتدّ مصابها ..
تطوف على الأطفال الرضع .. تنظر في وجوههم .. يكاد ثديها يتفجر من احتباس اللبن فيه ..
تتمنى لو أن طفلها بين يديها .. تضمه ضمة .. وتشمه شمة .. ولو كلفها ذلك حياتها ..
فبينما هي على ذلك ..
إذ وجدت ولدها .. فلما رأته جف دمعها .. وعاد صوابها ..
ثم انكبت عليه .. وانطرحت بين يديه .. وقد رحمت جوعه وتعبه .. وبكاءه ونصبه ..أخذت تضمه وتقبله ..
ثم ألصقته بصدرها .. وألقمته ثديها ..
فنظر الرحيم الشفيق إليها .. وقد أضناها التعب .. وعظم النصب ..
وقد طال شوقها إلى ولدها .. واشتد مصابه ومصابها ..
فلما رأى ذلها .. وانكسارها .. وفجيعتها بولدها ..
التفت إلى أصحابه ثم قال :
أتُرَون هذه .. طارحة ولدها في النار .. يعني لو أشعلنا ناراً وأمرناها أن تطرح ولدها فيها .. أترون أنها ترضى ..
فعجب الصحابة الكرام : كيف تطرحه في النار .. وهو فلذة كبدها .. وعصارة قلبها ..كيف تطرحه .. وهي تلثمه .. وتقبله .. وتغسل وجهه بدموعها .. كيف تطرحه ..
وهي الأم الرحيمة .. والوالدة الشفيقة ..
قالوا : لا .. والله .. يا رسول الله .. لا تطرحه في النار .. وهي تقدر على أن لا تطرحه ..
فقال صلى الله عليه وسلم : والله .. لله .. أرحم بعباده من هذه بولدها ..
* * * * * * * * *
نعم .. ربنا أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا ..
ومن سعة رحمته .. أنه عرض التوبة على كل أحد ..
مهما أشرك العبد وكفر .. أو طغى وتجبر ..
فإن الرحمة معروضة عليه .. وباب التوبة مشرع بين يديه ..
وانظر إلى ذاك الشيخ الهرم .. الذي .. كبر سنه .. وانحنى ظهره .. ورق عظمه ..
أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهو جالس بين أصحابه يوماً ..
يجر خطاه .. وقد سقط حاجباه على عينيه .. وهو يدّعم على عصا ..
جاء يمشي .. حتى قام بين يديّ النبي صلى الله عليه وسلم .. فقال بصوت تصارعه الآلام ..
يا رسول الله .. أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها .. فلم يترك منها شيئاً ..
وهو في ذلك لم يترك حاجة .. ولا داجة .. أي صغيرة ولا كبيرة .. إلا أتاها ..
لو قسّمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم .. فهل لذلك من توبة ؟
فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره إليه .. فإذا شيخ قد انحنى ظهره .. واضطرب أمره ..
قد هده مر السنين والأعوام .. وأهلكته الشهوات والآلام ..
فقال له صلى الله عليه وسلم : فهل أسلمت ؟
قال : أما أنا .. فأشهد أن لا إله إلا الله .. وأنك رسول الله ..
فقال صلى الله عليه وسلم : تفعل الخيرات .. وتترك السيئات .. فيجعلهن الله لك خيرات كلهن ..
فقال الشيخ : وغدراتي .. وفجراتني ..
فقال : نعم ..
فصاح الشيخ : الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر ..
فما زال يكبر حتى توارى عنهم ..
الحديث : رواه الطبراني والبزار ، وقال المنذري : إسناده جيد قوي ،وقال ابن حجر هو على شرط الصحيح .
* * * * * * * * * *
وذكر ابن قدامة في التوابين ..
أن بني إسرائيل .. لحقهم قحط على عهد موسى عليه السلام .. فاجتمع الناس إليه ..
فقالوا : يا كليم الله .. ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث ..
فقام معهم .. وخرجوا إلى الصحراء .. وهم سبعون ألفاً أو يزيدون ..
فقال موسى عليه السلام : إلهي .. اسقنا غيثك .. وانشر علينا رحمتك .. وارحمنا بالأطفال الرضع .. والبهائم الرتع .. والمشايخ الركع ..
فما زادت السماء إلا تقشعاً .. والشمس إلا حرارة ..
فقال موسى : إلهي .. اسقنا ..
فقال الله : كيف أسقيكم ؟ وفيكم عبد يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة .. فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم .. فبه منعتكم ..
فصاح موسى في قومه : يا أيها العبد العاصي .. الذي يبارز الله منذ أربعين سنة .. اخرج من بين أظهرنا .. فبك منعنا المطر ..
فنظر العبد العاصي .. ذات اليمين وذات الشمال .. فلم ير أحداً خرج .. فعلم أنه المطلوب ..
فقال في نفسه : إن أنا خرجت من بين هذا الخلق .. افتضحت على رؤوس بني إسرائيل .. وإن قعدت معهم منعوا لأجلي .. فانكسرت نفسه .. ودمعت عينه ..
فأدخل رأسه في ثيابه نادماً على فعاله .. وقال : إلهي .. وسيدي .. عصيتك أربعين سنة ..وأمهلتني .. وقد أتيتك طائعاً .. فاقبلني .. وأخذ يبتهل إلى خالقه ..
فلم يستتم الكلام .. حتى ارتفعت سحابة بيضاء ..فأمطرت كأفواه القرب ..
فعجب موسى وقال : إلهي .. سقيتنا .. وما خرج من بين أظهرنا أحد ..
فقال الله : يا موسى سقيتكم بالذي به منعتكم ..
فقال موسى : إلهي .. أرني هذا العبد الطائع ..
فقال : يا موسى .. إني لم أفضحه وهو يعصيني .. أأفضحه وهو يطيعني ..
* * * * * * * * * *
نعم .. غفر الله له ..
ولماذا لا يغفر له العزيز الرحيم وهو الذي قال :
{ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ! لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } .. وصح عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى :
( يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ..
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي..
يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة )
عبد الرحمن
لبيك يا الله
الرسائل
النقاط
البلد
* * * * * * * * *
نعم يأتيه بقراب الأرض مغفرة ..
ومن رحمة الله تعالى .. أنه يرى عبده يعصيه .. فلا يعاجله بالعقوبة ..
بل قد يبتليه بالأمراض والأسقام .. والمصائب والآلام .. ليرده إليه .. ويطرحه بين يديه ..
فيقرع أبواب السماء بأنواع الدعاء .. طالباً كشف الضر ورفع البلاء ..
والعبد كلما كان خائفاً تواباً .. منيباً لربه أواباً ..
كانت رحمة الله أقرب إليه .. وفضل الله أوسع عليه ..
يستجيب الله دعاءه .. ويكشف عنه بلاءه ..
وقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ..
ولا أنسى ذلك الشاب الذي عرفته أثناء دراسته الجامعية .. شاباً من أحسن من رأيت منظراً وقواماً .. يتفجر الشباب والصحة من جوانبه .. لكنه كان من عامة الشباب ..
انقطعت العلاقة بيننا بعد تخرجه ..
وذات يوم ..
اتصل بي وطلب مني زيارته وقال : أنا لا أستطيع زيارتك .. ولا تسألني لماذا ! إذا جئتني عرفت السبب ! قال هذه العبارات بصوت حزين ..
وصف لي طريق منزله .. طرقت الباب .. فتح لي أخوه الصغير .. ثم أدخلني إلى غرفة صاحبي ..
فإذا هو على سرير أبيض .. بجانبه عكاز ..وجهاز يُلبس في الرِّجل لأجل المشي .. ومجموعة من الأدوية .. أما هو فجسد متهالك .. ملقى على السرير .. حاول جاهداً أن يقف على قدميه للسلام .. لكنه لم يستطع ..
جلست عند رأسه .. أدافع عبراتي ..
قلت له : عفواً لم أعلم بمرضك من قبل ، ولكن ماذا أصابك ؟ ألم تتخرج من الكلية ؟ ألم تكن تحدثني أنك سوف تتزوج ، وتبني منزلاً .. وتشتري سيارة ..
قال : نعم ، ولكن حدث ما لم يكن في حسباني ..
تخرجت قبل أشهر معدودة ، وعملت في وظيفة مرموقة .. ومضت عليَّ الأيام .. لا يكدر صفوها إلا صداع ينتابني أحياناً ..
ثم بدأ الصداع يشتد .. ويصاحبه ضعف في النظر ..
حتى اشتدّ ذلك عليّ في أحد الأيام ، فذهبت إلى أحد المستشفيات .. فلما قابلني الطبيب ، عمل لي التحاليل .. ثم طلب إجراء أشعة دقيقة على الرأس ..
فلما أجريت الأشعة .. أخذ يقلب أوراقها بين يديه .. وهو يردد : لا حول ولا قوة إلا بالله ..
ثم رفع سماعة الهاتف ، واستدعى مجموعة من كبار الأطباء ..
وبدؤوا جميعاً يقلبون نتائج التحاليل .. ويتأملون صور الأشعة .. ويتحدثون باللغة الإنجليزية ، ويسارقونني النظر ..
مضت قرابة ساعة على هذا الحال .. وأنا في حال لا أُحسد عليه ..
وكنت أقول في نفسي .. المسألة حلّها سهل : حبة أو حبتان من مسكن الصداع مع قطرة للعين ، وينتهي كل شيء !!
وفجأة التفت إلي أحدهم وقال :
اسمع يا فلان .. التقارير والأشعة تدل ! على أنك مصاب بورم في رأسك ، حجمه يزداد بسرعة مُخيفة ، وهو الآن يضغط على عروق العين من الداخل ، وفي أي لحظة قد يزداد الضغط .. فتنفجر عروق العين .. فتصاب بالعمى .. ثم تصاب بنزيف داخلي في الدماغ .. ثم تموت !!..
صحت بأعلى صوتي ..
يا دكتور !!.. ماذا ؟ ..كيف ؟ ..متى ؟ ..كيف ورم ؟ .. وأنا في هذه السن ؟ ..أعوذ بالله !..سرطان ؟ .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
قال : نعم ، ورم .. ولا بدّ من علاجه بسرعة ؛ الليلة ندخلك المستشفى ونكمل التحليلات اللازمة ، وفي الصباح نزيل جزءاً من عظم الجمجمة ونخرج الورم ثم نعيد العظم مرة أخرى ..
ثم مدّ إليَّ أوراق العملية ! لأوقّعها .. فرفضت توقيعها .. وخرجت ..
وأنا أدافع عبراتي .. وأتفكر .. أين أذهب ؟! إلى البيت ..أم أرجع إلى المستشفى ؟ .. وبعد تفكير سريع قررت أن أذهب إلى مستشفى آخر ..
وبعدما أجريت لي التحليلات والأشعة .. أجبرني الطبيب بما أخبرني به صاحبه .. وطلب المسارعة بإجراء العملية ..
فكانت الصدمة عليّ أهون .. اتصلت بوالدي .. فحضر إليَّ في المستشفى ..
شيخ كبير تجاوز السبعين .. فلما رآني فزع من وجوم وجهي ..
فقلت له : تعلم يا أبي أني أشكو من صداع دائم .. والفحوصات تدلُّ على وجود ورم في الرأس ولا بدّ من إجراء عملية عاجلة ..
سمع أبي هذه الكلمات فصاح :
لا حول ولا قوة إلا بالله ..
ثم جلس على الأرض .. وهو يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون .. إذاً نرسلك إلى أخيك في أمريكا ..
قال هذه الكلمات وهو يتذكر معاناته منذ سنة كاملة مع أخي الأكبر الذي يعالج منذ سنة من مرض السرطان .. كم رأيت أبي يبكي في الهاتف وهو يكلمه .. كم كان يدعو له آخر الليل ..
أخذت أنظر إلى أبي ودموعه تجري على خديه .. وهو يرى أولاده يموتون بين يديه .. فأخي خالد توفي قبل سنتين في حادث سيارة .. وأخي الأكبر يصارع الموت في أمريكا .. وأنا في أول طريق لا تعرف نهايته ..
سافرت إلى أمريكا ..
وصلنا إلى المستشفى .. عملوا لي الفحوصات بسرعة ..
وفي الصباح أدخلوني غرفة العمليات ..
حلق الطبيب شعر رأسي .. وبعد أن خدرني .. قطع فروة رأسي على هيئة دائرية .. ثم بدأ ينشر الجمجمة .. حتى نزع أعلاها .. ووضع العظم بجانبه .. ثم أخرج الورم ..
مضت ساعة وساعتان .. والعملية تسير على ما يرام ..
وفجأة .. اضطرب الدم في عروق الدماغ .. ثم توقف الدم في الشرايين وأصابتني جلطة في الدماغ .. فاضطرب الطبيب وحرّك - خطئاً – بعض أجزاء المخ .. فأصابني شلل نصفي في الجزء الأيسر من جسمي ..
فلما رأى الطبيب ذلك أنهى ما تبقى من العملية بسرعة .. وأعاد عظم الجمجمة إلى مكانه .. وغطى بالجلد فوقه .. وخيّط المكان ..
ثم حملوني إلى غرفة العناية المركزة الـ ( إنْ عاشَ ) ..
مكثت بعد العملية في غيبوبة تامة لمدة خمس ساعات .. ثم أصابتني جلطة في الرجل اليسرى .. فحملوني سريعاً إلى غرفة العمليات وفتحوا صدري وعالجوا الجلطة .. ثم أعادوني إلى غرفة الـ ( إنْ عاشَ ) ..
استقرّت حالتي أربع ساعات ثم أُصبت بنزيف شديد في الرئة ..!! .. حملوني سريعاً إلى غرفة العمليات وفتحوا صدري مرة أخرى وعالجوا النزيف .. ثم أعادوني إلى غرفة الـ ( إنْ عاشَ ) ..
ضاق الطبيب بأمري ذرعاً .. أمراض متتابعة .. حالة متقلبة .. مفاجآت لا آخر لها ..
استقرّت حالتي أربعاً وعشرين ساعة .. أحس الطبيب بشيء من الانتعاش والسرور .. وفجأة بدأت درجة حرارة جسدي ترتفع بشكل مخيف .. أجرى الطبيب فحصاً سريعاً عليَّ .. فاكتشف أن العظم الذي استخرج الورم من تحته قد أصابه التهاب شديد ..!!
استدعى الطبيب فريق العمليات .. ثم حملوني كالجنازة .. وألقوني على سرير في غرفة العمليات ..
بدأت أنظر إليهم .. لا أملك من أمري شيئاً ..
رفعت بصري إلى السماء .. بكيت .. وأخذت أردد متضرعاً ..
رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين .. ثم رفعت بصري إلى السماء وقلت :
يا أرحم الراحمين .. إن كانت هذه عقوبة .. فأسألك الرحمة والمغفرة .. وإن كانت بلاء فارزقني الصبر على البلاء وعظم لي الأجر والجزاء ..
ثم ذكرت هادم اللذات ..والله لقد عظمت كربتي .. وذهبت قوتي .. وغداً يصبح التراب فراشي ..
عكري محدود .. ونَفَسي معدود .. وجسمي عما قريب يأكله الدود ..
آه إذا زلت يوم القيامة القدم .. وارتفع البكاء وطال الندم ..
ويلي إذا قدمت على من يحاسبني على الصغير والكبير ..
يوم تزل بالعصاة الأقدام .. وتكثر الآهات والآلام .. وتنقضي اللذات كأنها أحلام ..
ثم بكيت .. نعم بكيت .. وتمنيت البقاء في الدنيا .. لا لأجل التمتع بها .. وإنما لأصلح علاقتي بربي جل جلاله ..
وفجأة .. أقبل الطبيب إليَّ .. وأمر بتخديري تخديراً عامّاً .. ثم انتزع فروة الرأس التي تغطي العظم .. وأخرج العظم ووضعه جانباً .. ثم أعاد الجلد فوق الدماغ من غير عظم !! .. وبعد ساعات ..
أفقت من إغمائي .. تحسست رأسي فإذا هو ليّن .. أين العظم ؟! .. سألت الطبيب : أين بقية رأسي ؟!! فقال لي بكل برود : عظمك يبقى عندنا لتعقيمه .. وبعد ستة أشهر تعالَ إلينا لنعيده مكانه !! ..
مكثت في أمريكا شهراً واحداً ثم رجعت إلى الرياض .. وهاأنذا أنتظر انتهاء الأشهر الستة لأستعيد بقية رأسي !! ..
وقد كنت في غفلة عن حياتي .. منغمساً في أمر معاشي ..
ناسياً الموت والبلى .. حريصاً على الحياة الدنيا ..
لأما اليوم فقد ولدت من جديد ..
ومضت الأيام .. وشُفي من الشلل واستطاع المشي ..
وبعد سبعة أشهر جئته زائراً فإذا وجهه متهلل مسرور ..
وناولني بطاقة يدعوني فيها إلى زواجه ..
وأعرفه اليوم من أحرص الناس على فعل الخير .. والدلالة عليه ..
والدعوة إليه .. والمساعدة في طباعة الكتب وتوزيعها ..
بل وفي الإحسان إلى الضعفاء .. ونجدة الفقراء ..
إلى غير ذلك من وجوه الخير ..
ورُبَّ محنة في طيها منحة ..
* * * * * * * * *
التائبون .. هم من أحب الخلق إلى الله ..
والله أخبر أنه يحب التوابين ..
لكنه يبغض المعتدين الظالمين ..
وكم من عاصٍ يمسي ويصبح ضاحكاً ..
وربه من فوقه يلعنه .. والملائكة تبغضه ..
والصالحون يدعون عليه .. والنار تشتاق إليه ..
أتم الله له سمعه وبصره .. وسلم له عقله وفكره ..
فبارز ربه بالعصيان .. وصار من أنصار الشيطان ..
يعصي ولا يتوب .. ويتتبع الشهوات والذنوب ..
عجباً .. ينعم الله عليك وتعصيه بنعمه ..
هب أنك كنت مشلولاً مقعداً .. أو مريضاً مجهداً ..
أو مسلوب السمع والبصر .. فكيف يكون حالك ؟!
* * * * * * * * *
دخلت على مريض في المستشفى .. فلما أقبلت إليه .. فإذا رجل قد بلغ من العمر أربعين سنة .. من أنضر الناس وجهاً .. وأحسنهم قواماً ..
لكن جسده كله مشلولٌ لا يتحرك منه ذرة .. إلا رأسه وبعض رقبته ..
دخلت غرفته .. فإذا جرس الهاتف يرن .. فصاح بي وقال : يا شيخ أدرك الهاتف قبل أن ينقطع الاتصال ..
فرفعت سماعة الهاتف ثم قربتها إلى أذنه ووضعت مخدة تمسكها .. وانتظرت قليلاً حتى أنهى مكالمته .. ثم قال : يا شيخ .. أرجع السماعة مكانها ..
فأرجعتها مكانها .. ثم سألته : منذ متى وأنت على هذا الحال ؟
فقال : منذ عشرين سنة .. وأنا أسير على هذا السرير ..
* * * * * * * * *
وحدثني أحد الفضلاء أنه مر بغرفة في المستشفى .. فإذا فيها مريض يصيح بأعلى صوته .. ويئن أنيناً يقطع القلوب ..
قال صاحبي : فدخلت عليه .. فإذا هو جسده مشلولٌ كله ..
وهو يحاول الالتفات فلا يستطيع ..
فسألت الممرض عن سبب صياحه .. فقال :
هذا مصاب بشلل تام .. وتلف في الأمعاء .. وبعد كل وجبة غداء أو عشاء .. يصيبه عسر هضم ..
فقلت له : لا تطعموه طعاماً ثقيلاً .. جنبوه أكل اللحم .. والرز ..
فقال الممرض : أتدري ماذا نطعمه .. والله لا ندخل إلى بطنه إلا الحليب من خلال الأنابيب الموصلة بأنفه ..
وكل هذه الآلام .. ليهضم هذا الحليب ..
* * * * * * * * *
وحدثني ثالث أنه مرّ بغرفة مريض مشلول أيضاً .. لا يتحرك منه شيء أبداً ..
قال : فإذا المريض يصيح بالمارين .. فدخلت عليه ..
فرأيت أمامه لوح خشب عليه مصحف مفتوح .. وهذا المريض منذ ساعات .. كلما انتهى من قراءة الصفحتين أعادهما .. فإذا فرغ منهما أعادهما .. لأنه لا يستطيع أن يتحرك ليقلب الصفحة .. ولم يجد أحداً يساعده ..
فلما وقفت أمامه .. قال لي : لو سمحت .. اقلب الصفحة ..
فقلبتها .. فتهلل وجهه .. ثم وجّه نظره إلى المصحف وأخذ يقرأ ..
فانفجرت باكياً بين يديه .. متعجباً من حرصه وغفلتنا .. وشدة مرضه وحسن صحتنا ..
* * * * * * * * *
هذا حال أولئك المرضى ..
فأنت يا سليماً من الأمراض والأسقام .. يا معافىً من الأدواء والأورام ..
يا من تتقلب في النعم .. ولا تخشى النقم ..
ماذا فعل الله بك فقابلته بالعصيان .. بأي شيء آذاك .. أليست نعمه عليك تترى .. وأفضاله عليك لا تحصى ؟
أما تخاف .. أن توقف بين يدي الله غداً ..
فيقول لك .. يا عبدي ألم أصح لك في بدنك .. وأوسع عليك في رزقك ..
وأسلم لك سمعك وبصرك .. فتقول بلى .. فيسألك الجبار :
فلم عصيتني بنعمي .. وتعرضت لغضبي ونقمي ..
فعندها تنشر في الملأ عيوبك .. وتعرض عليك ذنوبك ..
فتباً للذنوب .. ما أشد شؤمها .. وأعظم خطرها ..
أولها عناء .. وأوسطها بلاء .. وآخرها فناء ..
وهل أخرج أبانا من الجنة إلا ذنب من الذنوب ..
وهل أغرق قوم نوح إلا الذنوب ..
وهل أهلك عاداً وثمود إلا الذنوب ..
وهل قلب على قوم لوط ديارهم .. وعجل لقوم شعيب عذابهم ..
وأمطر على أبرهة حجارة من سجيل .. وأنزل بفرعون العذاب الوبيل ..
إلا المعاصي والذنوب ..
قال الله : { فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ..
* * * * * * * * *
ولا تعجب .. إذا عُذبت بذنبك في الدنيا ..
فمرضت في بدنك .. أو ابتليت في ولدك ..
أو خسرت في تجارتك .. أو ضاق عليك رزقك ..
أو كثر عليك البلاء .. ولم يستجب منك الدعاء ..
فتتابعت عليك المصائب .. وأحاطت بك المتاعب ..
قال الله : { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } ..
فبادر إلى التوبة من ذنوبك ..
واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا
ولم تزل معتكفـاً على القبيح الشنع
كم ليلة أودعتها مـآثمـاً أبدعتها
لشهوة أطعتها في مرقد ومضجع
وكم خطى حثثتها في خزية أحدثتها
وتوبة نكثتها لملعب ومرتع
وكم تجرأت على رب السماوات العلى
ولـم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي
فالبس شعار الندم واسكب شآبيب الدم
قبل زوال القدم وقبل سوء المصرع
واخضع خضوع المعترف ولُذ ملاذ المقترف
واعص هواك وانحرف عنه انحراف المقلع
فيا خسار من بغى ومن تعدى وطغى
وشب نيران الوغى لمطعم أو مطمع
* * * * * * * * *
ولقد كان الصالحون .. يصبّرون أنفسهم على الطاعات .. وينهونها عن المحرمات .. ويجعلون موعد الراحة الجنات ..
نعم .. يستطيعون أن يزنوا .. أتظنهم عاجزين عن ذلك ؟
ويستطيعون أن يمتعوا أعينهم بالنظر إلى المحرمات .. وأسماعهم بسماع الأغنيات .. ويكثروا أموالهم بالربا ..
يستطيعون ذلك كله .. فما الذي يمنعهم ..؟!
نعم ما الذي يمنعهم ؟!
إنهم يخشون أن يتجرعوا من الحميم .. ويقاسوا العذاب الأليم ..
يخشون من يوم تزيغ فيه الأبصار .. ويشتد غضب الجبار ..
يخافون يوماً كان شره مستطيراً ..
* * * * * * * * *
كان الإمام أحمد بن حنبل يكثر على نفسه التعبد .. والصلاة والقيام ..
فقال له ابنه عبد الله يوماً : يا أبتِ .. متى ترتاح ؟!
فقال : أبو عبد الله : أرتاح .. إذا وضعت أولى قدمي في الجنة ..
* * * * * * * * *
فاجمع قواك لما هناك وغمض * العينين واصبر ساعة لزمان
ما هاهنا والله ما يسوى قلا * مة ظفر واحدة ترى بجنان
يا غافلا عما خلقت له انتبه * جد الرحيل فلست باليقظان
سار الرفاق وخلفوك مع الألى * قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني
ورأيت أكثر من ترى متخلفاً * فتبعتهم ورضيت بالحرمان
والله لا يرضى بهذا تائب * ذو همة طلباً لهذا الشان
والله ما ينجي الفتى من ربه * شيء سوى التقوى مع الإيمان
ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا ماذا صنعت وكنت ذا إمكان
* * * * * * * * *
وعلى التائب أن يصبر على ما قد يصيبه .. بعد التوبة من بلاء .. أو سخرية واستهزاء .. ويتحمل ذلك في ذات الله ..
فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون .. ثم الأمثل فالأمثل .. ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يدعه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة ..
ولا يغتر بكثرة الواقعين في المعاصي ..
ولا يلتفت إلى الهالكين في الشهوات ..
ممن استغواهم الشيطان .. فأصبح أكبر هم أحدهم شهوة فرجه ..
أو فمه وبطنه ..
والله يقول : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ..
* * * * * * * * *
أما الحياة بعد التوبة .. فهي الحياة التي خلقت لأجلها ..
وأوجدك الله لها ..
فأي لذة للحياة .. إذا كنت تشعر في كل لحظة منها .. أنك عدوٌ لله ..
متتبع للشهوات .. واقع في المحرمات ..
وربك الذي يطعمك ويسقيك .. وإذا مرضت فهو يشفيك .. وهو الذي يميتك ثم يحييك ..
بل .. كل شعرة من شعراتك .. وذرة من ذراتك ..
لا تتحرك إلا بإذنه ..
ومن صدق لله في توبته ..
تحول بعدها إلى جندي من جنود هذا الدين .. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ..
ويحمل همَّ الإسلام ..
ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبسط أحدهم يده فيبايع محمداً صلى الله عليه وسلم ..
ثم يستشعر أنه بهذه البيعة أصبح جندياً يعمل لهذا الدين ..
ذكر ابن إسحاق وأصل القصة في البخاري ..
أن النبي صلى الله عليه وسلم .. لما تمكن في المدينة ..
بدأ يبعث أصحابه إلى ما حوله من القرى والوديان .. يدعون الناس إلى الإسلام ..
فبعث أحد الصحابة إلى وادي نعمان قرب الطائف ..
فلما وصل ذلك الصحابي إليهم .. فإذا أعراب في بواديهم .. لا يعقلون من الحياة إلا إبلهم وغنمهم ..
فدعاهم إلى الله .. وأبان لهم الدين .. فأعرضوا ..
فانطلق رجل منهم إلى المدينة .. لينظر في خبر هذا النبي ..
انطلق الرجل على ناقته .. حتى وصل إلى المدينة ..
ثم دخلها .. وأقبل يصيح بين الناس : أين ابن عبد المطلب .. أين ابن عبد المطلب ..
فدله رجل على المسجد .. فتوجه إليه ..
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً مع أصحابه يوماً .. إذ أقبل الأعرابي الجلد .. وقد جعل شعره جديلتين ..
فأناخ بعيره على باب المسجد .. فعقله .. ثم دخل المسجد .. وقال :
وصاح بالناس : أيكم ابن عبد المطلب ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أنا ابن عبد المطلب \" ..
فقال : محمد ؟
فقال :\" نعم \" ..
فقال : يا ابن عبد المطلب ! إني سائلك .. ومغلظ عليك في المسألة .. فلا تجدن في نفسك علي ..
فقال صلى الله عليه وسلم : \" لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك \" ..
فقال : من رفع السماء ؟ قال : الله ..
قال : فمن بسط الأرض ؟ قال : الله ..
قال : فمن نصب الجبال ؟ قال : الله ..
قال : فأسألك بالذي رفع السماء .. وبسط الأرض .. ونصب الجبال .. آلله بعثك إلينا رسولاً ؟
قال : \" اللهم نعم \" ..
قال : فأنشدك الله .. آلله أمرك أن نعبده لا نشرك به شيئاً .. وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" اللهم نعم \" ..
ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة .. فريضة :
آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات ؟
آلله أمرك أن نزكي أموالنا ؟
آلله أمرك أن نصوم ؟
ويعدد فرائض الإسلام .. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم نعم ..
حتى إذا فرغ قال :
فأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني بكر بن سعد .. وإني أشهد أن لا إلـه إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. وسأؤدي هذه الفرائض .. وأجتنب ما نهيتني عنه .. لا أزيد ولا أنقص ..
ثم انصرف خارجاً من المسجد .. راجعاً إلى بعيره ..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى : \" إن يصدق ذو العقيصتين .. يدخل الجنة \"
ثم أتى بعيره .. فأطلق عقاله .. وانطلق عليه حتى قدم على قومه ..
فاجتمعوا عليه ..
فكان أول ما تكلم به أن قال : بئست اللات والعزى ..
فقالوا : مه يا ضمام .. اتق البرص .. والجنون .. والجذام ..
قال : ويلكم .. إنهما ما يضران ولا ينفعان .. إن الله قد بعث رسولاً .. وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه .. وإني أشهد أن لا إلـه إلا الله .. وأن محمداً عبده ورسوله .. وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه ..
فما زال بقومه .. يدعوهم .. ويستنقذهم من النار ..
حتى ما غابت الشمس ذلك اليوم .. وفي قومه أحد كافر ..
* * * * * * * * *
فهل نجد عند التائبين اليوم .. مثل هذه الحماس .. في نشر الدين .. ومناصرة عن المؤمنين ..
كم من تائب كان في جاهليته رأساً في المنكرات .. والدعوة إلى الشهوات ..
لكنه بعد توبته .. وصلاحه واستقامته .. أصبح ذيلاً بعد أن كان رأساً .. راجلاً بعد أن كان فارساً ..
عجباً !! جبار في الجاهلية خوار في الإسلام ؟!!
لا ينفع الإسلام ولا المسلمين .. لا في دعوة .. ولا إصلاح ..ولا تعليم جاهل .. أو نصح غافل ..
* * * * * * * * *
ومن عظم قدر ربه في قلبه .. حاسب نفسه أشد المحاسبة ..
وعاتبها أعظم المعاتبة ..
قال زيد بن أرقم :
كان لأبي بكر الصديق مملوك .. يعمل .. ويشتري طعاماً كل يوم ..
فأتاه ليلة بطعام .. فتناول أبو بكر منه لقمة ..
فقال له المملوك : مالك كنت تسألني كل ليلة عن الطعام .. ولم تسألني الليلة ..
قال : حملني على ذلك الجوع .. فمن أين جئت بهذا ..؟
قال : مررت بقوم في الجاهلية .. فتكهنت لهم .. ولا أحسن كهانة ..
فوعدوني بأجرة .. فلما أن كان اليوم مررت بهم .. فإذا عرس لهم .. فأعطوني هذا الطعام ..
فقال أبو بكر : أف لك .. كدت تهلكني ..
فأدخل يده في حلقه .. فجعل يتقيأ .. وجعلت لا تخرج ..
فقيل له : إن هذه لا تخرج إلا بالماء ..
فدعا بطست ماء فجعل يشرب .. ويتقيأ ..
حتى رمى بها ..
فقيل له : يرحمك الله !! كل هذا من أجل هذه اللقمة ؟!!
فقال : لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها ..
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به )
فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة ..
* * * * * * * * *
أما شهيد المحراب .. العابد الأواب .. عمر بن الخطاب .. فله في محاسبة النفس شأن عجيب ..
ذكر صاحب الحلية :
أن عمر بعث إليه أميره في الشام زيتاً في قرب .. ليبيعه ويجعل المال في بيت مال المسلمين ..
فجعل عمر يفرغه للناس في آنيتهم ..
وكان كلما فرغت قربة من قرب الزيت .. قلبها ثم عصرها وألقاها بجانبه ..
وكان بجواره ابن صغير له .. فكان الصغير كلما ألقى أبوه قربة من القرب أخذها ثم قلبها فوق رأسه حتى يقطر منها قطرة أو قطرتان ..
ففعل ذلك بأربع قرب أو خمس فالتفت إليه عمر فجأة ..
فإذا شعر الصغير حسنٌ .. ووجهه حسن .. فقال : ادهنت ؟ قال : نعم .. قال : من أين ؟ قال : مما يبقى في هذه القرب ..
فقال عمر : إني أرى رأسك قد شبع من زيت المسلمين من غير عوض .. لا والله لا يحاسبني الله على ذلك ..
ثم جره بيده إلى الحلاق وحلق رأسه ..
خوفاً من قطرة وقطرتين ..
* * * * * * * * *
هذا حال المتقين .. الأوابين الخاشعين ..
أما المتهالكون في الشهوات ..
فهم في شقوة في حياتهم .. وحسرة عند مماتهم ..
{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } ..
حدثني أحد الأطباء .. قال :
دخلت إلى غرفة العناية المركزة في المستشفى ، ولفت انتباهي شاب في الخامسة والعشرين من عمره مصاب بمرض ( الإيدز ) .. حالته خطرة جداً ..
كلمته برفق فأجاب بكلمات غير مفهومة .. اتصلت بأهله .. فحضرت أمه ..
سألتها عن حال ابنها ..؟
فقالت : كان حاله على ما يرام ، حتى تعرف على تلك الفتاة ..
قلت : هل كان يصلي ؟
قالت : لا .. لكنه كان ينوي أن يتوب ويحج في آخر عمره ( !! ) ..
اقتربتُ من الفتى المسكين .. فإذا هو يعالج سكرات الموت ..
اقتربت من أذنه وقلت : لا إله إلا الله .. قل : لا إله إلا الله ..
بدأ يفيق وينظر إليّ .. المسكين يحاول بكلّ جوارحه .. الدموع تسيل من عينيه .. وجهـه يتغير إلى السـواد ..
وأنا أردد .. قل : لا إله إلا الله ..
بـدأ يتكلـم بصوت متقطع : آه .. آه .. ألم شديد .. آه .. أريد مسكناً للألم .. آه .. آه ..
بدأت أدافع عبراتي وأقول : قل : لا إله إلا الله ..
بدأ يحرك شفتيه بصعوبة .. فرحت .. سينطقها الآن .. لكنه قال :
لا أستطيع .. لا أستطيع .. أريد صديقتي .. لا أستطيع ..
الأم تنظر وتبكي .. النبض يتناقص .. يتلاشى .. لم أتمالك نفسي .. أخذت أبكي بحرقة ..
أمسكت بيده .. عاودت المحاولة : أرجوك قل لا إله إلا الله ..
وهو يردد : .. لا أستطيع .. لا أستطيع .. ثم بدأ يشهق .. ويشهق ..
توقّف النبض .. انقلب وجه الفتى أسوداً .. ثم مات .. انهارت الأم .. وارتمت على صدره .. تصرخ .. وتصرخ ..
وأنى ينفعه صراخها .. أو حزنها ونحيبها ..
نعم ..
قد مضى الفتى إلى ربه .. لم تنفعه شهواته .. ولا ملذاته .. طالما اغتر بشبابه .. وجمال سيارته وثيابه .. ثم هو اليوم تجالسه في قبره أعماله .. وتحيط به أفعاله .. ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ..
نعم يأتيه بقراب الأرض مغفرة ..
ومن رحمة الله تعالى .. أنه يرى عبده يعصيه .. فلا يعاجله بالعقوبة ..
بل قد يبتليه بالأمراض والأسقام .. والمصائب والآلام .. ليرده إليه .. ويطرحه بين يديه ..
فيقرع أبواب السماء بأنواع الدعاء .. طالباً كشف الضر ورفع البلاء ..
والعبد كلما كان خائفاً تواباً .. منيباً لربه أواباً ..
كانت رحمة الله أقرب إليه .. وفضل الله أوسع عليه ..
يستجيب الله دعاءه .. ويكشف عنه بلاءه ..
وقد روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ..
ولا أنسى ذلك الشاب الذي عرفته أثناء دراسته الجامعية .. شاباً من أحسن من رأيت منظراً وقواماً .. يتفجر الشباب والصحة من جوانبه .. لكنه كان من عامة الشباب ..
انقطعت العلاقة بيننا بعد تخرجه ..
وذات يوم ..
اتصل بي وطلب مني زيارته وقال : أنا لا أستطيع زيارتك .. ولا تسألني لماذا ! إذا جئتني عرفت السبب ! قال هذه العبارات بصوت حزين ..
وصف لي طريق منزله .. طرقت الباب .. فتح لي أخوه الصغير .. ثم أدخلني إلى غرفة صاحبي ..
فإذا هو على سرير أبيض .. بجانبه عكاز ..وجهاز يُلبس في الرِّجل لأجل المشي .. ومجموعة من الأدوية .. أما هو فجسد متهالك .. ملقى على السرير .. حاول جاهداً أن يقف على قدميه للسلام .. لكنه لم يستطع ..
جلست عند رأسه .. أدافع عبراتي ..
قلت له : عفواً لم أعلم بمرضك من قبل ، ولكن ماذا أصابك ؟ ألم تتخرج من الكلية ؟ ألم تكن تحدثني أنك سوف تتزوج ، وتبني منزلاً .. وتشتري سيارة ..
قال : نعم ، ولكن حدث ما لم يكن في حسباني ..
تخرجت قبل أشهر معدودة ، وعملت في وظيفة مرموقة .. ومضت عليَّ الأيام .. لا يكدر صفوها إلا صداع ينتابني أحياناً ..
ثم بدأ الصداع يشتد .. ويصاحبه ضعف في النظر ..
حتى اشتدّ ذلك عليّ في أحد الأيام ، فذهبت إلى أحد المستشفيات .. فلما قابلني الطبيب ، عمل لي التحاليل .. ثم طلب إجراء أشعة دقيقة على الرأس ..
فلما أجريت الأشعة .. أخذ يقلب أوراقها بين يديه .. وهو يردد : لا حول ولا قوة إلا بالله ..
ثم رفع سماعة الهاتف ، واستدعى مجموعة من كبار الأطباء ..
وبدؤوا جميعاً يقلبون نتائج التحاليل .. ويتأملون صور الأشعة .. ويتحدثون باللغة الإنجليزية ، ويسارقونني النظر ..
مضت قرابة ساعة على هذا الحال .. وأنا في حال لا أُحسد عليه ..
وكنت أقول في نفسي .. المسألة حلّها سهل : حبة أو حبتان من مسكن الصداع مع قطرة للعين ، وينتهي كل شيء !!
وفجأة التفت إلي أحدهم وقال :
اسمع يا فلان .. التقارير والأشعة تدل ! على أنك مصاب بورم في رأسك ، حجمه يزداد بسرعة مُخيفة ، وهو الآن يضغط على عروق العين من الداخل ، وفي أي لحظة قد يزداد الضغط .. فتنفجر عروق العين .. فتصاب بالعمى .. ثم تصاب بنزيف داخلي في الدماغ .. ثم تموت !!..
صحت بأعلى صوتي ..
يا دكتور !!.. ماذا ؟ ..كيف ؟ ..متى ؟ ..كيف ورم ؟ .. وأنا في هذه السن ؟ ..أعوذ بالله !..سرطان ؟ .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
قال : نعم ، ورم .. ولا بدّ من علاجه بسرعة ؛ الليلة ندخلك المستشفى ونكمل التحليلات اللازمة ، وفي الصباح نزيل جزءاً من عظم الجمجمة ونخرج الورم ثم نعيد العظم مرة أخرى ..
ثم مدّ إليَّ أوراق العملية ! لأوقّعها .. فرفضت توقيعها .. وخرجت ..
وأنا أدافع عبراتي .. وأتفكر .. أين أذهب ؟! إلى البيت ..أم أرجع إلى المستشفى ؟ .. وبعد تفكير سريع قررت أن أذهب إلى مستشفى آخر ..
وبعدما أجريت لي التحليلات والأشعة .. أجبرني الطبيب بما أخبرني به صاحبه .. وطلب المسارعة بإجراء العملية ..
فكانت الصدمة عليّ أهون .. اتصلت بوالدي .. فحضر إليَّ في المستشفى ..
شيخ كبير تجاوز السبعين .. فلما رآني فزع من وجوم وجهي ..
فقلت له : تعلم يا أبي أني أشكو من صداع دائم .. والفحوصات تدلُّ على وجود ورم في الرأس ولا بدّ من إجراء عملية عاجلة ..
سمع أبي هذه الكلمات فصاح :
لا حول ولا قوة إلا بالله ..
ثم جلس على الأرض .. وهو يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون .. إذاً نرسلك إلى أخيك في أمريكا ..
قال هذه الكلمات وهو يتذكر معاناته منذ سنة كاملة مع أخي الأكبر الذي يعالج منذ سنة من مرض السرطان .. كم رأيت أبي يبكي في الهاتف وهو يكلمه .. كم كان يدعو له آخر الليل ..
أخذت أنظر إلى أبي ودموعه تجري على خديه .. وهو يرى أولاده يموتون بين يديه .. فأخي خالد توفي قبل سنتين في حادث سيارة .. وأخي الأكبر يصارع الموت في أمريكا .. وأنا في أول طريق لا تعرف نهايته ..
سافرت إلى أمريكا ..
وصلنا إلى المستشفى .. عملوا لي الفحوصات بسرعة ..
وفي الصباح أدخلوني غرفة العمليات ..
حلق الطبيب شعر رأسي .. وبعد أن خدرني .. قطع فروة رأسي على هيئة دائرية .. ثم بدأ ينشر الجمجمة .. حتى نزع أعلاها .. ووضع العظم بجانبه .. ثم أخرج الورم ..
مضت ساعة وساعتان .. والعملية تسير على ما يرام ..
وفجأة .. اضطرب الدم في عروق الدماغ .. ثم توقف الدم في الشرايين وأصابتني جلطة في الدماغ .. فاضطرب الطبيب وحرّك - خطئاً – بعض أجزاء المخ .. فأصابني شلل نصفي في الجزء الأيسر من جسمي ..
فلما رأى الطبيب ذلك أنهى ما تبقى من العملية بسرعة .. وأعاد عظم الجمجمة إلى مكانه .. وغطى بالجلد فوقه .. وخيّط المكان ..
ثم حملوني إلى غرفة العناية المركزة الـ ( إنْ عاشَ ) ..
مكثت بعد العملية في غيبوبة تامة لمدة خمس ساعات .. ثم أصابتني جلطة في الرجل اليسرى .. فحملوني سريعاً إلى غرفة العمليات وفتحوا صدري وعالجوا الجلطة .. ثم أعادوني إلى غرفة الـ ( إنْ عاشَ ) ..
استقرّت حالتي أربع ساعات ثم أُصبت بنزيف شديد في الرئة ..!! .. حملوني سريعاً إلى غرفة العمليات وفتحوا صدري مرة أخرى وعالجوا النزيف .. ثم أعادوني إلى غرفة الـ ( إنْ عاشَ ) ..
ضاق الطبيب بأمري ذرعاً .. أمراض متتابعة .. حالة متقلبة .. مفاجآت لا آخر لها ..
استقرّت حالتي أربعاً وعشرين ساعة .. أحس الطبيب بشيء من الانتعاش والسرور .. وفجأة بدأت درجة حرارة جسدي ترتفع بشكل مخيف .. أجرى الطبيب فحصاً سريعاً عليَّ .. فاكتشف أن العظم الذي استخرج الورم من تحته قد أصابه التهاب شديد ..!!
استدعى الطبيب فريق العمليات .. ثم حملوني كالجنازة .. وألقوني على سرير في غرفة العمليات ..
بدأت أنظر إليهم .. لا أملك من أمري شيئاً ..
رفعت بصري إلى السماء .. بكيت .. وأخذت أردد متضرعاً ..
رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين .. ثم رفعت بصري إلى السماء وقلت :
يا أرحم الراحمين .. إن كانت هذه عقوبة .. فأسألك الرحمة والمغفرة .. وإن كانت بلاء فارزقني الصبر على البلاء وعظم لي الأجر والجزاء ..
ثم ذكرت هادم اللذات ..والله لقد عظمت كربتي .. وذهبت قوتي .. وغداً يصبح التراب فراشي ..
عكري محدود .. ونَفَسي معدود .. وجسمي عما قريب يأكله الدود ..
آه إذا زلت يوم القيامة القدم .. وارتفع البكاء وطال الندم ..
ويلي إذا قدمت على من يحاسبني على الصغير والكبير ..
يوم تزل بالعصاة الأقدام .. وتكثر الآهات والآلام .. وتنقضي اللذات كأنها أحلام ..
ثم بكيت .. نعم بكيت .. وتمنيت البقاء في الدنيا .. لا لأجل التمتع بها .. وإنما لأصلح علاقتي بربي جل جلاله ..
وفجأة .. أقبل الطبيب إليَّ .. وأمر بتخديري تخديراً عامّاً .. ثم انتزع فروة الرأس التي تغطي العظم .. وأخرج العظم ووضعه جانباً .. ثم أعاد الجلد فوق الدماغ من غير عظم !! .. وبعد ساعات ..
أفقت من إغمائي .. تحسست رأسي فإذا هو ليّن .. أين العظم ؟! .. سألت الطبيب : أين بقية رأسي ؟!! فقال لي بكل برود : عظمك يبقى عندنا لتعقيمه .. وبعد ستة أشهر تعالَ إلينا لنعيده مكانه !! ..
مكثت في أمريكا شهراً واحداً ثم رجعت إلى الرياض .. وهاأنذا أنتظر انتهاء الأشهر الستة لأستعيد بقية رأسي !! ..
وقد كنت في غفلة عن حياتي .. منغمساً في أمر معاشي ..
ناسياً الموت والبلى .. حريصاً على الحياة الدنيا ..
لأما اليوم فقد ولدت من جديد ..
ومضت الأيام .. وشُفي من الشلل واستطاع المشي ..
وبعد سبعة أشهر جئته زائراً فإذا وجهه متهلل مسرور ..
وناولني بطاقة يدعوني فيها إلى زواجه ..
وأعرفه اليوم من أحرص الناس على فعل الخير .. والدلالة عليه ..
والدعوة إليه .. والمساعدة في طباعة الكتب وتوزيعها ..
بل وفي الإحسان إلى الضعفاء .. ونجدة الفقراء ..
إلى غير ذلك من وجوه الخير ..
ورُبَّ محنة في طيها منحة ..
* * * * * * * * *
التائبون .. هم من أحب الخلق إلى الله ..
والله أخبر أنه يحب التوابين ..
لكنه يبغض المعتدين الظالمين ..
وكم من عاصٍ يمسي ويصبح ضاحكاً ..
وربه من فوقه يلعنه .. والملائكة تبغضه ..
والصالحون يدعون عليه .. والنار تشتاق إليه ..
أتم الله له سمعه وبصره .. وسلم له عقله وفكره ..
فبارز ربه بالعصيان .. وصار من أنصار الشيطان ..
يعصي ولا يتوب .. ويتتبع الشهوات والذنوب ..
عجباً .. ينعم الله عليك وتعصيه بنعمه ..
هب أنك كنت مشلولاً مقعداً .. أو مريضاً مجهداً ..
أو مسلوب السمع والبصر .. فكيف يكون حالك ؟!
* * * * * * * * *
دخلت على مريض في المستشفى .. فلما أقبلت إليه .. فإذا رجل قد بلغ من العمر أربعين سنة .. من أنضر الناس وجهاً .. وأحسنهم قواماً ..
لكن جسده كله مشلولٌ لا يتحرك منه ذرة .. إلا رأسه وبعض رقبته ..
دخلت غرفته .. فإذا جرس الهاتف يرن .. فصاح بي وقال : يا شيخ أدرك الهاتف قبل أن ينقطع الاتصال ..
فرفعت سماعة الهاتف ثم قربتها إلى أذنه ووضعت مخدة تمسكها .. وانتظرت قليلاً حتى أنهى مكالمته .. ثم قال : يا شيخ .. أرجع السماعة مكانها ..
فأرجعتها مكانها .. ثم سألته : منذ متى وأنت على هذا الحال ؟
فقال : منذ عشرين سنة .. وأنا أسير على هذا السرير ..
* * * * * * * * *
وحدثني أحد الفضلاء أنه مر بغرفة في المستشفى .. فإذا فيها مريض يصيح بأعلى صوته .. ويئن أنيناً يقطع القلوب ..
قال صاحبي : فدخلت عليه .. فإذا هو جسده مشلولٌ كله ..
وهو يحاول الالتفات فلا يستطيع ..
فسألت الممرض عن سبب صياحه .. فقال :
هذا مصاب بشلل تام .. وتلف في الأمعاء .. وبعد كل وجبة غداء أو عشاء .. يصيبه عسر هضم ..
فقلت له : لا تطعموه طعاماً ثقيلاً .. جنبوه أكل اللحم .. والرز ..
فقال الممرض : أتدري ماذا نطعمه .. والله لا ندخل إلى بطنه إلا الحليب من خلال الأنابيب الموصلة بأنفه ..
وكل هذه الآلام .. ليهضم هذا الحليب ..
* * * * * * * * *
وحدثني ثالث أنه مرّ بغرفة مريض مشلول أيضاً .. لا يتحرك منه شيء أبداً ..
قال : فإذا المريض يصيح بالمارين .. فدخلت عليه ..
فرأيت أمامه لوح خشب عليه مصحف مفتوح .. وهذا المريض منذ ساعات .. كلما انتهى من قراءة الصفحتين أعادهما .. فإذا فرغ منهما أعادهما .. لأنه لا يستطيع أن يتحرك ليقلب الصفحة .. ولم يجد أحداً يساعده ..
فلما وقفت أمامه .. قال لي : لو سمحت .. اقلب الصفحة ..
فقلبتها .. فتهلل وجهه .. ثم وجّه نظره إلى المصحف وأخذ يقرأ ..
فانفجرت باكياً بين يديه .. متعجباً من حرصه وغفلتنا .. وشدة مرضه وحسن صحتنا ..
* * * * * * * * *
هذا حال أولئك المرضى ..
فأنت يا سليماً من الأمراض والأسقام .. يا معافىً من الأدواء والأورام ..
يا من تتقلب في النعم .. ولا تخشى النقم ..
ماذا فعل الله بك فقابلته بالعصيان .. بأي شيء آذاك .. أليست نعمه عليك تترى .. وأفضاله عليك لا تحصى ؟
أما تخاف .. أن توقف بين يدي الله غداً ..
فيقول لك .. يا عبدي ألم أصح لك في بدنك .. وأوسع عليك في رزقك ..
وأسلم لك سمعك وبصرك .. فتقول بلى .. فيسألك الجبار :
فلم عصيتني بنعمي .. وتعرضت لغضبي ونقمي ..
فعندها تنشر في الملأ عيوبك .. وتعرض عليك ذنوبك ..
فتباً للذنوب .. ما أشد شؤمها .. وأعظم خطرها ..
أولها عناء .. وأوسطها بلاء .. وآخرها فناء ..
وهل أخرج أبانا من الجنة إلا ذنب من الذنوب ..
وهل أغرق قوم نوح إلا الذنوب ..
وهل أهلك عاداً وثمود إلا الذنوب ..
وهل قلب على قوم لوط ديارهم .. وعجل لقوم شعيب عذابهم ..
وأمطر على أبرهة حجارة من سجيل .. وأنزل بفرعون العذاب الوبيل ..
إلا المعاصي والذنوب ..
قال الله : { فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ..
* * * * * * * * *
ولا تعجب .. إذا عُذبت بذنبك في الدنيا ..
فمرضت في بدنك .. أو ابتليت في ولدك ..
أو خسرت في تجارتك .. أو ضاق عليك رزقك ..
أو كثر عليك البلاء .. ولم يستجب منك الدعاء ..
فتتابعت عليك المصائب .. وأحاطت بك المتاعب ..
قال الله : { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } ..
فبادر إلى التوبة من ذنوبك ..
واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا
ولم تزل معتكفـاً على القبيح الشنع
كم ليلة أودعتها مـآثمـاً أبدعتها
لشهوة أطعتها في مرقد ومضجع
وكم خطى حثثتها في خزية أحدثتها
وتوبة نكثتها لملعب ومرتع
وكم تجرأت على رب السماوات العلى
ولـم تراقبه ولا صدقت فيما تدعي
فالبس شعار الندم واسكب شآبيب الدم
قبل زوال القدم وقبل سوء المصرع
واخضع خضوع المعترف ولُذ ملاذ المقترف
واعص هواك وانحرف عنه انحراف المقلع
فيا خسار من بغى ومن تعدى وطغى
وشب نيران الوغى لمطعم أو مطمع
* * * * * * * * *
ولقد كان الصالحون .. يصبّرون أنفسهم على الطاعات .. وينهونها عن المحرمات .. ويجعلون موعد الراحة الجنات ..
نعم .. يستطيعون أن يزنوا .. أتظنهم عاجزين عن ذلك ؟
ويستطيعون أن يمتعوا أعينهم بالنظر إلى المحرمات .. وأسماعهم بسماع الأغنيات .. ويكثروا أموالهم بالربا ..
يستطيعون ذلك كله .. فما الذي يمنعهم ..؟!
نعم ما الذي يمنعهم ؟!
إنهم يخشون أن يتجرعوا من الحميم .. ويقاسوا العذاب الأليم ..
يخشون من يوم تزيغ فيه الأبصار .. ويشتد غضب الجبار ..
يخافون يوماً كان شره مستطيراً ..
* * * * * * * * *
كان الإمام أحمد بن حنبل يكثر على نفسه التعبد .. والصلاة والقيام ..
فقال له ابنه عبد الله يوماً : يا أبتِ .. متى ترتاح ؟!
فقال : أبو عبد الله : أرتاح .. إذا وضعت أولى قدمي في الجنة ..
* * * * * * * * *
فاجمع قواك لما هناك وغمض * العينين واصبر ساعة لزمان
ما هاهنا والله ما يسوى قلا * مة ظفر واحدة ترى بجنان
يا غافلا عما خلقت له انتبه * جد الرحيل فلست باليقظان
سار الرفاق وخلفوك مع الألى * قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني
ورأيت أكثر من ترى متخلفاً * فتبعتهم ورضيت بالحرمان
والله لا يرضى بهذا تائب * ذو همة طلباً لهذا الشان
والله ما ينجي الفتى من ربه * شيء سوى التقوى مع الإيمان
ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا ماذا صنعت وكنت ذا إمكان
* * * * * * * * *
وعلى التائب أن يصبر على ما قد يصيبه .. بعد التوبة من بلاء .. أو سخرية واستهزاء .. ويتحمل ذلك في ذات الله ..
فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون .. ثم الأمثل فالأمثل .. ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يدعه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة ..
ولا يغتر بكثرة الواقعين في المعاصي ..
ولا يلتفت إلى الهالكين في الشهوات ..
ممن استغواهم الشيطان .. فأصبح أكبر هم أحدهم شهوة فرجه ..
أو فمه وبطنه ..
والله يقول : { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ..
* * * * * * * * *
أما الحياة بعد التوبة .. فهي الحياة التي خلقت لأجلها ..
وأوجدك الله لها ..
فأي لذة للحياة .. إذا كنت تشعر في كل لحظة منها .. أنك عدوٌ لله ..
متتبع للشهوات .. واقع في المحرمات ..
وربك الذي يطعمك ويسقيك .. وإذا مرضت فهو يشفيك .. وهو الذي يميتك ثم يحييك ..
بل .. كل شعرة من شعراتك .. وذرة من ذراتك ..
لا تتحرك إلا بإذنه ..
ومن صدق لله في توبته ..
تحول بعدها إلى جندي من جنود هذا الدين .. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ..
ويحمل همَّ الإسلام ..
ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبسط أحدهم يده فيبايع محمداً صلى الله عليه وسلم ..
ثم يستشعر أنه بهذه البيعة أصبح جندياً يعمل لهذا الدين ..
ذكر ابن إسحاق وأصل القصة في البخاري ..
أن النبي صلى الله عليه وسلم .. لما تمكن في المدينة ..
بدأ يبعث أصحابه إلى ما حوله من القرى والوديان .. يدعون الناس إلى الإسلام ..
فبعث أحد الصحابة إلى وادي نعمان قرب الطائف ..
فلما وصل ذلك الصحابي إليهم .. فإذا أعراب في بواديهم .. لا يعقلون من الحياة إلا إبلهم وغنمهم ..
فدعاهم إلى الله .. وأبان لهم الدين .. فأعرضوا ..
فانطلق رجل منهم إلى المدينة .. لينظر في خبر هذا النبي ..
انطلق الرجل على ناقته .. حتى وصل إلى المدينة ..
ثم دخلها .. وأقبل يصيح بين الناس : أين ابن عبد المطلب .. أين ابن عبد المطلب ..
فدله رجل على المسجد .. فتوجه إليه ..
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً مع أصحابه يوماً .. إذ أقبل الأعرابي الجلد .. وقد جعل شعره جديلتين ..
فأناخ بعيره على باب المسجد .. فعقله .. ثم دخل المسجد .. وقال :
وصاح بالناس : أيكم ابن عبد المطلب ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" أنا ابن عبد المطلب \" ..
فقال : محمد ؟
فقال :\" نعم \" ..
فقال : يا ابن عبد المطلب ! إني سائلك .. ومغلظ عليك في المسألة .. فلا تجدن في نفسك علي ..
فقال صلى الله عليه وسلم : \" لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك \" ..
فقال : من رفع السماء ؟ قال : الله ..
قال : فمن بسط الأرض ؟ قال : الله ..
قال : فمن نصب الجبال ؟ قال : الله ..
قال : فأسألك بالذي رفع السماء .. وبسط الأرض .. ونصب الجبال .. آلله بعثك إلينا رسولاً ؟
قال : \" اللهم نعم \" ..
قال : فأنشدك الله .. آلله أمرك أن نعبده لا نشرك به شيئاً .. وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" اللهم نعم \" ..
ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة .. فريضة :
آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات ؟
آلله أمرك أن نزكي أموالنا ؟
آلله أمرك أن نصوم ؟
ويعدد فرائض الإسلام .. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم نعم ..
حتى إذا فرغ قال :
فأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني بكر بن سعد .. وإني أشهد أن لا إلـه إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. وسأؤدي هذه الفرائض .. وأجتنب ما نهيتني عنه .. لا أزيد ولا أنقص ..
ثم انصرف خارجاً من المسجد .. راجعاً إلى بعيره ..
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولى : \" إن يصدق ذو العقيصتين .. يدخل الجنة \"
ثم أتى بعيره .. فأطلق عقاله .. وانطلق عليه حتى قدم على قومه ..
فاجتمعوا عليه ..
فكان أول ما تكلم به أن قال : بئست اللات والعزى ..
فقالوا : مه يا ضمام .. اتق البرص .. والجنون .. والجذام ..
قال : ويلكم .. إنهما ما يضران ولا ينفعان .. إن الله قد بعث رسولاً .. وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه .. وإني أشهد أن لا إلـه إلا الله .. وأن محمداً عبده ورسوله .. وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه ..
فما زال بقومه .. يدعوهم .. ويستنقذهم من النار ..
حتى ما غابت الشمس ذلك اليوم .. وفي قومه أحد كافر ..
* * * * * * * * *
فهل نجد عند التائبين اليوم .. مثل هذه الحماس .. في نشر الدين .. ومناصرة عن المؤمنين ..
كم من تائب كان في جاهليته رأساً في المنكرات .. والدعوة إلى الشهوات ..
لكنه بعد توبته .. وصلاحه واستقامته .. أصبح ذيلاً بعد أن كان رأساً .. راجلاً بعد أن كان فارساً ..
عجباً !! جبار في الجاهلية خوار في الإسلام ؟!!
لا ينفع الإسلام ولا المسلمين .. لا في دعوة .. ولا إصلاح ..ولا تعليم جاهل .. أو نصح غافل ..
* * * * * * * * *
ومن عظم قدر ربه في قلبه .. حاسب نفسه أشد المحاسبة ..
وعاتبها أعظم المعاتبة ..
قال زيد بن أرقم :
كان لأبي بكر الصديق مملوك .. يعمل .. ويشتري طعاماً كل يوم ..
فأتاه ليلة بطعام .. فتناول أبو بكر منه لقمة ..
فقال له المملوك : مالك كنت تسألني كل ليلة عن الطعام .. ولم تسألني الليلة ..
قال : حملني على ذلك الجوع .. فمن أين جئت بهذا ..؟
قال : مررت بقوم في الجاهلية .. فتكهنت لهم .. ولا أحسن كهانة ..
فوعدوني بأجرة .. فلما أن كان اليوم مررت بهم .. فإذا عرس لهم .. فأعطوني هذا الطعام ..
فقال أبو بكر : أف لك .. كدت تهلكني ..
فأدخل يده في حلقه .. فجعل يتقيأ .. وجعلت لا تخرج ..
فقيل له : إن هذه لا تخرج إلا بالماء ..
فدعا بطست ماء فجعل يشرب .. ويتقيأ ..
حتى رمى بها ..
فقيل له : يرحمك الله !! كل هذا من أجل هذه اللقمة ؟!!
فقال : لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها ..
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به )
فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة ..
* * * * * * * * *
أما شهيد المحراب .. العابد الأواب .. عمر بن الخطاب .. فله في محاسبة النفس شأن عجيب ..
ذكر صاحب الحلية :
أن عمر بعث إليه أميره في الشام زيتاً في قرب .. ليبيعه ويجعل المال في بيت مال المسلمين ..
فجعل عمر يفرغه للناس في آنيتهم ..
وكان كلما فرغت قربة من قرب الزيت .. قلبها ثم عصرها وألقاها بجانبه ..
وكان بجواره ابن صغير له .. فكان الصغير كلما ألقى أبوه قربة من القرب أخذها ثم قلبها فوق رأسه حتى يقطر منها قطرة أو قطرتان ..
ففعل ذلك بأربع قرب أو خمس فالتفت إليه عمر فجأة ..
فإذا شعر الصغير حسنٌ .. ووجهه حسن .. فقال : ادهنت ؟ قال : نعم .. قال : من أين ؟ قال : مما يبقى في هذه القرب ..
فقال عمر : إني أرى رأسك قد شبع من زيت المسلمين من غير عوض .. لا والله لا يحاسبني الله على ذلك ..
ثم جره بيده إلى الحلاق وحلق رأسه ..
خوفاً من قطرة وقطرتين ..
* * * * * * * * *
هذا حال المتقين .. الأوابين الخاشعين ..
أما المتهالكون في الشهوات ..
فهم في شقوة في حياتهم .. وحسرة عند مماتهم ..
{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } ..
حدثني أحد الأطباء .. قال :
دخلت إلى غرفة العناية المركزة في المستشفى ، ولفت انتباهي شاب في الخامسة والعشرين من عمره مصاب بمرض ( الإيدز ) .. حالته خطرة جداً ..
كلمته برفق فأجاب بكلمات غير مفهومة .. اتصلت بأهله .. فحضرت أمه ..
سألتها عن حال ابنها ..؟
فقالت : كان حاله على ما يرام ، حتى تعرف على تلك الفتاة ..
قلت : هل كان يصلي ؟
قالت : لا .. لكنه كان ينوي أن يتوب ويحج في آخر عمره ( !! ) ..
اقتربتُ من الفتى المسكين .. فإذا هو يعالج سكرات الموت ..
اقتربت من أذنه وقلت : لا إله إلا الله .. قل : لا إله إلا الله ..
بدأ يفيق وينظر إليّ .. المسكين يحاول بكلّ جوارحه .. الدموع تسيل من عينيه .. وجهـه يتغير إلى السـواد ..
وأنا أردد .. قل : لا إله إلا الله ..
بـدأ يتكلـم بصوت متقطع : آه .. آه .. ألم شديد .. آه .. أريد مسكناً للألم .. آه .. آه ..
بدأت أدافع عبراتي وأقول : قل : لا إله إلا الله ..
بدأ يحرك شفتيه بصعوبة .. فرحت .. سينطقها الآن .. لكنه قال :
لا أستطيع .. لا أستطيع .. أريد صديقتي .. لا أستطيع ..
الأم تنظر وتبكي .. النبض يتناقص .. يتلاشى .. لم أتمالك نفسي .. أخذت أبكي بحرقة ..
أمسكت بيده .. عاودت المحاولة : أرجوك قل لا إله إلا الله ..
وهو يردد : .. لا أستطيع .. لا أستطيع .. ثم بدأ يشهق .. ويشهق ..
توقّف النبض .. انقلب وجه الفتى أسوداً .. ثم مات .. انهارت الأم .. وارتمت على صدره .. تصرخ .. وتصرخ ..
وأنى ينفعه صراخها .. أو حزنها ونحيبها ..
نعم ..
قد مضى الفتى إلى ربه .. لم تنفعه شهواته .. ولا ملذاته .. طالما اغتر بشبابه .. وجمال سيارته وثيابه .. ثم هو اليوم تجالسه في قبره أعماله .. وتحيط به أفعاله .. ما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ..
عبد الرحمن
لبيك يا الله
الرسائل
النقاط
البلد
* * * * * * * * *
قارن حال هذا الشاب .. بذلك الشاب .. الذي بلغ من عمره ستة عشر عاماً .. كان في المسجد يتلو القرآن .. وينتظر إقامة صلاة الفجر ..
فلما أقيمت الصلاة .. رد المصحف إلى مكانه .. ثم نهض ليقف في الصف ..
فإذا به يقع على الأرض فجأة مغمى عليه ..
حمله بعض المصلين إلى المستشفى ..
فحدثني الدكتور الجبير الذي عاين حالته .. قال :
أُتي إلينا بهذا الشاب محمولاً كالجنازة .. فلما كشفت عليه فإذا هو مصاب بجلطة في القلب .. لو أصيب بها جمل لأردته ميتاً ..
نظرت إلى الشاب فإذا هو يصارع الموت .. ويودع أنفاس الحياة ..
سارعنا إلى نجدته .. وتنشيط قلبه ..
أوقفت عنده طبيب الإسعاف يراقب حالته .. وذهبت لإحضار بعض الأجهزة لمعالجته ..
فلما أقبلت إليه مسرعاً .. فإذا الشاب متعلق بيد طبيب الإسعاف ..
والطبيب قد الصق أذنه بفم الشاب .. والشاب يهمس في أذنه بكلمات.. فوقفت أنظر إليهما .. لحظات..
وفجأة أطلق الشاب يد الطبيب .. وحاول جاهداً أن يلتفت لجانبه الأيمن ..
ثم قال بلسان ثقيل : أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. وأخذ يكررها .. ونبضه يتلاشى .. وضربات القلب تختفي.. ونحن نحاول إنقاذه.. ولكن قضاء الله كان أقوى.. ومات الشاب..
عندها انفجر طبيب الإسعاف باكياً.. حتى لم يستطع الوقوف على قدميه..
فعجبنا وقلنا له : يا فلان .. ما لك تبكي.. ليست هذه أول مرة ترى فيها ميتاً.. لكن الطبيب استمر في بكائه ونحيبه..
فلما .. خف عنه البكاء سألناه : ماذا كان يقول لك الفتى ؟
فقال : لما رآك يا دكتور .. تذهب وتجيء .. وتأمر وتنهى.. علم أنك الطبيب المختص به .. فقال لي :
يا دكتور .. قل لصاحبك طبيب القلب.. لا يتعب نفسه.. لا يتعب.. أنا ميت لا محالة .. والله إني أرى مقعدي من الجنة الآن ..
الله أكبر ..
{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } .. أسأل الله أن يختم لنا جميعاً بالصالحات ..
* * * * * * * * *
هذا هو الفرق بين المطيع والعاصي ..
والفرق الحقيقي يتبين .. { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ } ..
* * * * * * * * *
أما الذين صبّروا أنفسهم عن الشهوات ..
ومنعوها من المحرمات .. فقد وَعَدَهم ربهم بجَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ..
* * * * * * * * *
تلك الجنة التي جعلها الله لعباده المؤمنين نزلاً ..
وأودعها ما لا عين رأت .. ولا أذن سمعت .. ولا خطر على قلب بشر ..
فواعجباً لها كيف نام طالبها ؟
وكيف قرت دونها أعين المشتاقين ؟
فيها الذي والله لا عين رأت*كلا ولا سمعت به الأذنان
كلا ولا قلب به خطر المثا* ل له تعالى الله ذو السلطان
وبناؤها اللبنات من ذهب وأخــرى فضة نوعان مختلفان*
وقصورها من لؤلؤ وزبرجد أو فضة أو خالص العقيان*
حصباؤها در وياقوت كذاك لآليء نثرت كنثر جمان
وترابها من زعفران أو من المسك الذي ما استل من غزلان
سكانها أهل القيام مع الصيا*م وطيب الكلمات والاحسان
وخيامها منصوبة برياضها*وشواطيء الأنهار ذي الجريان
أنهارها في غير أخدود جرت*سبحان ممسكها عن الفيضان
من تحتهم تجري كما شاؤوا مفجرة وما للنهر من نقصان
عسل مصفى ثم خمـــــر ثم أنهار من الالبان
* * * * * * * * *
وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم*ولحوم طير ناعم وسمان
لحم وخمر والنسا وفواكه*والطيب مع روح ومع ريحان
وصحافهم ذهب يطوف عليهم*بأكف خدام من الولدان
لهم حياة ما بها موت وعافية بلا سقم ولا أحزان
* * * * * * * * *
وروى مسلم .. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة .. فيصبغ في النار صبغة ..
ثم يقال : يا بن آدم .. هل رأيت خيراً قط ..؟؟ هل مر بك نعيم قط ..؟؟
فيقول : لا والله يا رب ..
نعم .. هذا الرجل الذي ذاق من الدنيا أعظم نعمتها .. ومن الحياة غاية لذتها ..
أنساه كل نعيم الدنيا .. غمسة واحدة غمسها في النار ..
فكيف به إذا تردى في دركاتها .. وصارع حياتها .. وتجرع من زقومها .. وغرق في حميمها ..
بل كيف به إذا استغاث فيها .. فقيل له : { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ..
بالله عليك .. هل يذكر في تلك الحال .. فاحشة ارتكبها ..؟ أو أغنية سمعها ..؟ أو خمر شربها ..؟ أو أموال جمعها ..؟
كلا .. بل يقال لهم : { اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ..
قال صلى الله عليه وسلم :
ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا .. من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة ..
فيقال له : يا بن آدم .. هل رأيت بؤساً قط ..؟؟ هل مر بك شدة قط ..؟؟
فيقول : لا والله يا رب .. ما مرَّ بي بؤس قط .. ولا رأيت شدة قط ..
نعم .. أنساه كل بؤس الدنيا .. غمسة واحدة غمسها في الجنة ..
فكيف به .. إذا شرب من أنهارها .. وتقلب في أحضان حورها ..
وسكن في قصورها .. وجالس أنبياءها ..
بل كيف به إذا نظر إليه ربه وهو فيها .. ثم قال لهم :
يا أهل الجنة .. هل رضيتم .. ثم ينظرون إلى وجه ربهم جل جلاله ..
هل يذكر شدة طاعة أداها .. أو حسرة شهوة تركها ..
كلا .. بل هو في نعيم دائم .. لا يفنى شبابه .. ولا تبلى ثيابه ..
قال الله : { لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } ..
* * * * * * * * *
نعم .. ولدينا مزيد ..
روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ..
بالله ..
.. ما عذر امرئ هو مؤمن*حقا بهذا ليس باليقظان
تالله لو شاقتك جنات الــنعيم طلبتها بنفائس الأثمان*
جليت عليك عرائس والله لو*تجلى على صخر من الصوان
رقت حواشيه وعاد لوقته*ينهال مثل نقى من الكثبان
* * * * * * * * *
أسأل الله تعالى أن يرزقنا التوبة والإنابة في الأمور كلها ..
* * * * * * * * *
وقبل الختام .. هنا أربع مسائل مهمة تتعلق بالتوبة ..
المسألة الأولى :
أن المعاصي التي تجب التوبة منها تتفاوت ..
فأكبرها وأعظمها .. الشرك بالله ..
كمن يدعو غير الله في قضاء الحاجات .. ويستغيث بالأولياء في كشف الكربات .. أو يقف عند القبور سائلاً أهلها الحاجات ..
والله يقول : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } ..
* * * * * * * * *
ومن الشرك : تعليق التمائم الشركية .. في الأجساد أو على الأولاد .. أو في السيارات والبيوت .. لدفع العين أو غيرها ..
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد : ( من علَّق تميمة فقد أشرك ) ..
* * * * * * * * *
ومن الشرك : الحلف بغير الله تعالى :
فلا يجوز الحلف بالكعبة .. ولا بالأمانة .. ولا بالشرف .. ولا ببركة فلان .. ولا بحياة فلان ..ولا بجاه النبي .. ولا بجاه الولي .. ولا بالآباء والأمهات .. كل ذلك حرام ..
وقد روى أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال : \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" ..
ومن جرى على لسانه شيء من هذا بغير قصد .. فكفارته أن يقول : لا إله إلا الله، كما روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ) ..
* * * * * * * * *
ومن أكبر الذنوب ..
استعمال السحر والكهانة والعرافة ..
أما السحر فإنه من أكبر الكبائر .. وقد يصل إلى حد كفر ..
ولا يجوز الذهاب إلى السحرة ..
قال صلى الله عليه وسلم كما في المسند : \"من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد\" صلى الله عليه وسلم..
وقال فيما رواه مسلم : ( من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) ..
ومن ذلك اللجوء إلى أبراج الحظ في الجرائد والمجلات .. أو الاتصال هاتفياً على بعض من يدعي معرفة الغيب .. أو سؤالُهم .. كل ذلك حرام ..
* * * * * * * * *
ومن أكبر الذنوب بل من الكفر .. ترك الصلاة ..
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : \"بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة \" ..
وإذا حكمنا على تارك الصلاة بالكفر .. فهذا يقتضي أنه تنطبق عليه أحكام المرتدين ..
فلا يصح أن يُزوَّج .. فإن عُقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل .. وإذا ترك الصلاة بعد أن عُقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة ..
وإذا ذبح لا تؤكل ذبيحته لأنها حرام .. ولا يدخل مكة ..
ولو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث ..
وإذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين .. ويحشر يوم القيامة مع الكفار ..
ولا يدخل الجنة .. ولا يحل لأهله أن يدعوا له بالرحمة والمغفرة لأنه كافر ..
* * * * * * * * *
ومن أكبر المعاصي ..
الزنا .. وهو أعظم الذنوب بعد الشرك والقتل .. قال تعالى : { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً } ..
وفي عصرنا فتحت كثير من أبواب الفاحشة .. ففشا التبرج والاختلاط ومجلات الخنا .. وأفلام الفحش ..
فنسألك اللهم رحمتك ولطفك .. وسترك وعصمة من عندك ..
طهر قلوبنا .. وتحصن فروجنا .. واجعل بيننا وبين الحرام برزخاً .. وحجراً محجوراً ..
* * * * * * * * *
ومن المعاصي :
أكل أموال الناس .. أو أكل الربا .. { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ..
وهذا كاف في بيان شناعة هذه الجريمة عند الله عز وجل .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء \" ..
وصح في مستدرك الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم \"..
وصح في مسند الإمام أحمد : ( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية \" ..
فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ..
* * * * * * * * *
ومن المعاصي : شرب المسكرات .. أو تعاطي المخدرات ..
قال صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم : ( إن على الله عز وجل عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال \" قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال : \" عرق أهل النار أو عصارة أهل النار \"..
وصح عند الطبراني .. أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن \" ..
وقد تنوعت المسكرات .. وتعددت أسماؤها .. فأطلقوا عليها البيرة والعرق والشمبانيا .. وغيرَ ذلك ..
* * * * * * * * *
ومن المعاصي : سماع الغناء :
وقد قال صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري معلقاً :\" ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... \"..
وصح عند الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ .. وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف \" ..
ومما زاد البلاء في عصرنا دخولُ الموسيقى .. في أشياء كثيرة كالساعات .. والأجراس .. وألعاب الأطفال .. والكمبيوتر .. وأجهزة الهاتف .. والله المستعان .
وغير ذلك من المعاصي .. ويجب نصيحة أهلها .. { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ..
* * * * * * * * *
المسألة الثانية :
أن بعض الناس إذا أراد أن يتوب من معصية سماع الحرام مثلاً .. قال له الشيطان .. لا يصح أن تتوب منها وأنت مقيم على معصية التدخين .. أو التساهل بالصلاة ..
فإما أم تتوب منها كلها .. أو لا تتعب نفسك ..
وهذا باطل .. فإن لكل ذنب توبة .. فيمكن أن تقبل التوبة من الزنا .. مع وجود معاص أخرى .. ولكن عليه أن يجتهد في التوبة من الذنوب كلها ..
واعلم أن الوقوع في الذنب مرة أخرى بعد التوبة منه .. لا يعني أن التوبة بطلت وأن العبد ييأس ويعود إلى المعاصي .. لا .. بل يسارع إلى توبة أخرى ..
وصح في السنن .. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ) ثم قرأ هذه الآية : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) ..
* * * * * * * * *
المسألة الثالثة :
شروط التوبة خمسة ..
أولها : الإقلاع عن الذنب فوراً ..
وثانيها : الندم على ما فات ..
وثالثها : العزم على عدم العودة ..
ورابعها : إرجاع حقوق من ظلمهم .. أو طلب البراءة منهم ..
أما الخامس فهو :
أن تكون التوبة في وقت المهلة .. فلا تقبل عند الموت .. ولا تأمن متى ينزل بك ..
ولا تقبل عند طلوع الشمس من مغربها ..
* * * * * * * * *
المسألة الأخيرة ..
من أهم عوامل الثبات على التوبة .. مفارقة مكان المنكر ..
بل ومفارقة الأصحاب الذين يذكرونك به .. أو يدعونك إليه ..
وفي الصحيحين :
قصة ذلك الرجل .. الذي تلطخ بالدماء .. وقتل الأبرياء .. حتى قتل تسعه وتسعين نفساً .. ثم بدا له أن يتوب .. فشك .. هل يقبل الله توبته .. وهو الذي يتم الأطفال .. ورمل النساء .. ومزق البيوت ..
فسأل عن أعلم أهل الأرض .. فدل على رجل عابد راهب .. فأتاه ..
فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة ؟
فرفع الراهب بصره إليه .. فإذا رجل قد ظلم العباد .. وأكثر الفساد .. حتى قسى قلبه .. وكبر ذنبه .. فقال الراهب : لا .. ليست له توبة ..
فغضب هذا الرجل .. وقتله .. فكمل به مائة ..
ومضى من بين يدي الراهب ..
ثم بدا له أن يتوب .. فسأل عن أعلم أهل الأرض ..
فدُلَّ على رجل عالم .. فأتاه ..
فقال : إنه قتل مائة نفس .. فهل له من توبة ؟
فقال العالم : نعم .. نعم .. ومن يحول بينك وبين التوبة ؟!!
ولكن .. انطلق إلى أرض كذا وكذا .. فإن بها أناساً يعبدون الله .. فاعبد الله معهم ..
ولا ترجع إلى أرضك .. فإنها أرض سوء ..
فانطلق الرجل التائب .. حتى إذا انتصف في الطريق .. نزلس به الموت .. فخر صريعاً ميتاً ..
فاختصمت فيه ملائكة الرحمة .. وملائكة العذاب ..
فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً .. مقبلاً بقلبه إلى الله ..
وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط ..
فأتاهم ملك في صورة آدمي .. فجعلوه بينهم حكماً ..
فقال : قيسوا ما بين الأرضين .. فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ..
فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي .. وإلى هذه أن تقربي ..
فقاسوه .. فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ..
فقبضته ملائكة الرحمة ..
فانظر كيف قال له العالم : فارق بلدك .. واخرج من أرضك فإنها أرض سوء ..
وكذلك من كان يريد أن يتوب من الزنا .. لا بد أن يفارق أماكن الاختلاط .. ومن أراد أن يتوب من ترك الصلاة .. أو من سماع الغناء .. أو من أكل الربا .. أو يتوب من أنواع الشرك .. كل هؤلاء .. لا بد أن يفارقوا كل ما يعينهم على تلك المعاصي ..
أسأل الله بأسمائه الحسنى .. أن يقسم لنا من خشيته ما يحول به بيننا وبين معصيته .. ومن طاعته ما يبلغنا به جنته .. وأن يغفر لنا ذنوبنا .. وإسرافنا في أمرنا .. وأن يغنينا بحلاله عن حرامه .. وبفضله عمن سواه .. وأن يتقبل توبتنا .. ويغسل حوبتنا .. إنه سميع مجيب .. وصلى وسلم على النبي الأمي محمد .. وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبه :
د. محمد بن عبد الرحمن العريفي
قارن حال هذا الشاب .. بذلك الشاب .. الذي بلغ من عمره ستة عشر عاماً .. كان في المسجد يتلو القرآن .. وينتظر إقامة صلاة الفجر ..
فلما أقيمت الصلاة .. رد المصحف إلى مكانه .. ثم نهض ليقف في الصف ..
فإذا به يقع على الأرض فجأة مغمى عليه ..
حمله بعض المصلين إلى المستشفى ..
فحدثني الدكتور الجبير الذي عاين حالته .. قال :
أُتي إلينا بهذا الشاب محمولاً كالجنازة .. فلما كشفت عليه فإذا هو مصاب بجلطة في القلب .. لو أصيب بها جمل لأردته ميتاً ..
نظرت إلى الشاب فإذا هو يصارع الموت .. ويودع أنفاس الحياة ..
سارعنا إلى نجدته .. وتنشيط قلبه ..
أوقفت عنده طبيب الإسعاف يراقب حالته .. وذهبت لإحضار بعض الأجهزة لمعالجته ..
فلما أقبلت إليه مسرعاً .. فإذا الشاب متعلق بيد طبيب الإسعاف ..
والطبيب قد الصق أذنه بفم الشاب .. والشاب يهمس في أذنه بكلمات.. فوقفت أنظر إليهما .. لحظات..
وفجأة أطلق الشاب يد الطبيب .. وحاول جاهداً أن يلتفت لجانبه الأيمن ..
ثم قال بلسان ثقيل : أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. وأخذ يكررها .. ونبضه يتلاشى .. وضربات القلب تختفي.. ونحن نحاول إنقاذه.. ولكن قضاء الله كان أقوى.. ومات الشاب..
عندها انفجر طبيب الإسعاف باكياً.. حتى لم يستطع الوقوف على قدميه..
فعجبنا وقلنا له : يا فلان .. ما لك تبكي.. ليست هذه أول مرة ترى فيها ميتاً.. لكن الطبيب استمر في بكائه ونحيبه..
فلما .. خف عنه البكاء سألناه : ماذا كان يقول لك الفتى ؟
فقال : لما رآك يا دكتور .. تذهب وتجيء .. وتأمر وتنهى.. علم أنك الطبيب المختص به .. فقال لي :
يا دكتور .. قل لصاحبك طبيب القلب.. لا يتعب نفسه.. لا يتعب.. أنا ميت لا محالة .. والله إني أرى مقعدي من الجنة الآن ..
الله أكبر ..
{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } .. أسأل الله أن يختم لنا جميعاً بالصالحات ..
* * * * * * * * *
هذا هو الفرق بين المطيع والعاصي ..
والفرق الحقيقي يتبين .. { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ } ..
* * * * * * * * *
أما الذين صبّروا أنفسهم عن الشهوات ..
ومنعوها من المحرمات .. فقد وَعَدَهم ربهم بجَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ..
* * * * * * * * *
تلك الجنة التي جعلها الله لعباده المؤمنين نزلاً ..
وأودعها ما لا عين رأت .. ولا أذن سمعت .. ولا خطر على قلب بشر ..
فواعجباً لها كيف نام طالبها ؟
وكيف قرت دونها أعين المشتاقين ؟
فيها الذي والله لا عين رأت*كلا ولا سمعت به الأذنان
كلا ولا قلب به خطر المثا* ل له تعالى الله ذو السلطان
وبناؤها اللبنات من ذهب وأخــرى فضة نوعان مختلفان*
وقصورها من لؤلؤ وزبرجد أو فضة أو خالص العقيان*
حصباؤها در وياقوت كذاك لآليء نثرت كنثر جمان
وترابها من زعفران أو من المسك الذي ما استل من غزلان
سكانها أهل القيام مع الصيا*م وطيب الكلمات والاحسان
وخيامها منصوبة برياضها*وشواطيء الأنهار ذي الجريان
أنهارها في غير أخدود جرت*سبحان ممسكها عن الفيضان
من تحتهم تجري كما شاؤوا مفجرة وما للنهر من نقصان
عسل مصفى ثم خمـــــر ثم أنهار من الالبان
* * * * * * * * *
وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم*ولحوم طير ناعم وسمان
لحم وخمر والنسا وفواكه*والطيب مع روح ومع ريحان
وصحافهم ذهب يطوف عليهم*بأكف خدام من الولدان
لهم حياة ما بها موت وعافية بلا سقم ولا أحزان
* * * * * * * * *
وروى مسلم .. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة .. فيصبغ في النار صبغة ..
ثم يقال : يا بن آدم .. هل رأيت خيراً قط ..؟؟ هل مر بك نعيم قط ..؟؟
فيقول : لا والله يا رب ..
نعم .. هذا الرجل الذي ذاق من الدنيا أعظم نعمتها .. ومن الحياة غاية لذتها ..
أنساه كل نعيم الدنيا .. غمسة واحدة غمسها في النار ..
فكيف به إذا تردى في دركاتها .. وصارع حياتها .. وتجرع من زقومها .. وغرق في حميمها ..
بل كيف به إذا استغاث فيها .. فقيل له : { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ..
بالله عليك .. هل يذكر في تلك الحال .. فاحشة ارتكبها ..؟ أو أغنية سمعها ..؟ أو خمر شربها ..؟ أو أموال جمعها ..؟
كلا .. بل يقال لهم : { اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ..
قال صلى الله عليه وسلم :
ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا .. من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة ..
فيقال له : يا بن آدم .. هل رأيت بؤساً قط ..؟؟ هل مر بك شدة قط ..؟؟
فيقول : لا والله يا رب .. ما مرَّ بي بؤس قط .. ولا رأيت شدة قط ..
نعم .. أنساه كل بؤس الدنيا .. غمسة واحدة غمسها في الجنة ..
فكيف به .. إذا شرب من أنهارها .. وتقلب في أحضان حورها ..
وسكن في قصورها .. وجالس أنبياءها ..
بل كيف به إذا نظر إليه ربه وهو فيها .. ثم قال لهم :
يا أهل الجنة .. هل رضيتم .. ثم ينظرون إلى وجه ربهم جل جلاله ..
هل يذكر شدة طاعة أداها .. أو حسرة شهوة تركها ..
كلا .. بل هو في نعيم دائم .. لا يفنى شبابه .. ولا تبلى ثيابه ..
قال الله : { لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } ..
* * * * * * * * *
نعم .. ولدينا مزيد ..
روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ..
بالله ..
.. ما عذر امرئ هو مؤمن*حقا بهذا ليس باليقظان
تالله لو شاقتك جنات الــنعيم طلبتها بنفائس الأثمان*
جليت عليك عرائس والله لو*تجلى على صخر من الصوان
رقت حواشيه وعاد لوقته*ينهال مثل نقى من الكثبان
* * * * * * * * *
أسأل الله تعالى أن يرزقنا التوبة والإنابة في الأمور كلها ..
* * * * * * * * *
وقبل الختام .. هنا أربع مسائل مهمة تتعلق بالتوبة ..
المسألة الأولى :
أن المعاصي التي تجب التوبة منها تتفاوت ..
فأكبرها وأعظمها .. الشرك بالله ..
كمن يدعو غير الله في قضاء الحاجات .. ويستغيث بالأولياء في كشف الكربات .. أو يقف عند القبور سائلاً أهلها الحاجات ..
والله يقول : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } ..
* * * * * * * * *
ومن الشرك : تعليق التمائم الشركية .. في الأجساد أو على الأولاد .. أو في السيارات والبيوت .. لدفع العين أو غيرها ..
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد : ( من علَّق تميمة فقد أشرك ) ..
* * * * * * * * *
ومن الشرك : الحلف بغير الله تعالى :
فلا يجوز الحلف بالكعبة .. ولا بالأمانة .. ولا بالشرف .. ولا ببركة فلان .. ولا بحياة فلان ..ولا بجاه النبي .. ولا بجاه الولي .. ولا بالآباء والأمهات .. كل ذلك حرام ..
وقد روى أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال : \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" ..
ومن جرى على لسانه شيء من هذا بغير قصد .. فكفارته أن يقول : لا إله إلا الله، كما روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل : لا إله إلا الله ) ..
* * * * * * * * *
ومن أكبر الذنوب ..
استعمال السحر والكهانة والعرافة ..
أما السحر فإنه من أكبر الكبائر .. وقد يصل إلى حد كفر ..
ولا يجوز الذهاب إلى السحرة ..
قال صلى الله عليه وسلم كما في المسند : \"من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد\" صلى الله عليه وسلم..
وقال فيما رواه مسلم : ( من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) ..
ومن ذلك اللجوء إلى أبراج الحظ في الجرائد والمجلات .. أو الاتصال هاتفياً على بعض من يدعي معرفة الغيب .. أو سؤالُهم .. كل ذلك حرام ..
* * * * * * * * *
ومن أكبر الذنوب بل من الكفر .. ترك الصلاة ..
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : \"بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة \" ..
وإذا حكمنا على تارك الصلاة بالكفر .. فهذا يقتضي أنه تنطبق عليه أحكام المرتدين ..
فلا يصح أن يُزوَّج .. فإن عُقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل .. وإذا ترك الصلاة بعد أن عُقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة ..
وإذا ذبح لا تؤكل ذبيحته لأنها حرام .. ولا يدخل مكة ..
ولو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث ..
وإذا مات لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين .. ويحشر يوم القيامة مع الكفار ..
ولا يدخل الجنة .. ولا يحل لأهله أن يدعوا له بالرحمة والمغفرة لأنه كافر ..
* * * * * * * * *
ومن أكبر المعاصي ..
الزنا .. وهو أعظم الذنوب بعد الشرك والقتل .. قال تعالى : { وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً } ..
وفي عصرنا فتحت كثير من أبواب الفاحشة .. ففشا التبرج والاختلاط ومجلات الخنا .. وأفلام الفحش ..
فنسألك اللهم رحمتك ولطفك .. وسترك وعصمة من عندك ..
طهر قلوبنا .. وتحصن فروجنا .. واجعل بيننا وبين الحرام برزخاً .. وحجراً محجوراً ..
* * * * * * * * *
ومن المعاصي :
أكل أموال الناس .. أو أكل الربا .. { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ..
وهذا كاف في بيان شناعة هذه الجريمة عند الله عز وجل .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم : لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء \" ..
وصح في مستدرك الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم \"..
وصح في مسند الإمام أحمد : ( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية \" ..
فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ..
* * * * * * * * *
ومن المعاصي : شرب المسكرات .. أو تعاطي المخدرات ..
قال صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم : ( إن على الله عز وجل عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال \" قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال : \" عرق أهل النار أو عصارة أهل النار \"..
وصح عند الطبراني .. أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن \" ..
وقد تنوعت المسكرات .. وتعددت أسماؤها .. فأطلقوا عليها البيرة والعرق والشمبانيا .. وغيرَ ذلك ..
* * * * * * * * *
ومن المعاصي : سماع الغناء :
وقد قال صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري معلقاً :\" ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ... \"..
وصح عند الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال : \" ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ .. وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف \" ..
ومما زاد البلاء في عصرنا دخولُ الموسيقى .. في أشياء كثيرة كالساعات .. والأجراس .. وألعاب الأطفال .. والكمبيوتر .. وأجهزة الهاتف .. والله المستعان .
وغير ذلك من المعاصي .. ويجب نصيحة أهلها .. { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ..
* * * * * * * * *
المسألة الثانية :
أن بعض الناس إذا أراد أن يتوب من معصية سماع الحرام مثلاً .. قال له الشيطان .. لا يصح أن تتوب منها وأنت مقيم على معصية التدخين .. أو التساهل بالصلاة ..
فإما أم تتوب منها كلها .. أو لا تتعب نفسك ..
وهذا باطل .. فإن لكل ذنب توبة .. فيمكن أن تقبل التوبة من الزنا .. مع وجود معاص أخرى .. ولكن عليه أن يجتهد في التوبة من الذنوب كلها ..
واعلم أن الوقوع في الذنب مرة أخرى بعد التوبة منه .. لا يعني أن التوبة بطلت وأن العبد ييأس ويعود إلى المعاصي .. لا .. بل يسارع إلى توبة أخرى ..
وصح في السنن .. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ) ثم قرأ هذه الآية : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) ..
* * * * * * * * *
المسألة الثالثة :
شروط التوبة خمسة ..
أولها : الإقلاع عن الذنب فوراً ..
وثانيها : الندم على ما فات ..
وثالثها : العزم على عدم العودة ..
ورابعها : إرجاع حقوق من ظلمهم .. أو طلب البراءة منهم ..
أما الخامس فهو :
أن تكون التوبة في وقت المهلة .. فلا تقبل عند الموت .. ولا تأمن متى ينزل بك ..
ولا تقبل عند طلوع الشمس من مغربها ..
* * * * * * * * *
المسألة الأخيرة ..
من أهم عوامل الثبات على التوبة .. مفارقة مكان المنكر ..
بل ومفارقة الأصحاب الذين يذكرونك به .. أو يدعونك إليه ..
وفي الصحيحين :
قصة ذلك الرجل .. الذي تلطخ بالدماء .. وقتل الأبرياء .. حتى قتل تسعه وتسعين نفساً .. ثم بدا له أن يتوب .. فشك .. هل يقبل الله توبته .. وهو الذي يتم الأطفال .. ورمل النساء .. ومزق البيوت ..
فسأل عن أعلم أهل الأرض .. فدل على رجل عابد راهب .. فأتاه ..
فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة ؟
فرفع الراهب بصره إليه .. فإذا رجل قد ظلم العباد .. وأكثر الفساد .. حتى قسى قلبه .. وكبر ذنبه .. فقال الراهب : لا .. ليست له توبة ..
فغضب هذا الرجل .. وقتله .. فكمل به مائة ..
ومضى من بين يدي الراهب ..
ثم بدا له أن يتوب .. فسأل عن أعلم أهل الأرض ..
فدُلَّ على رجل عالم .. فأتاه ..
فقال : إنه قتل مائة نفس .. فهل له من توبة ؟
فقال العالم : نعم .. نعم .. ومن يحول بينك وبين التوبة ؟!!
ولكن .. انطلق إلى أرض كذا وكذا .. فإن بها أناساً يعبدون الله .. فاعبد الله معهم ..
ولا ترجع إلى أرضك .. فإنها أرض سوء ..
فانطلق الرجل التائب .. حتى إذا انتصف في الطريق .. نزلس به الموت .. فخر صريعاً ميتاً ..
فاختصمت فيه ملائكة الرحمة .. وملائكة العذاب ..
فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً .. مقبلاً بقلبه إلى الله ..
وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط ..
فأتاهم ملك في صورة آدمي .. فجعلوه بينهم حكماً ..
فقال : قيسوا ما بين الأرضين .. فإلى أيتهما كان أدنى فهو له ..
فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي .. وإلى هذه أن تقربي ..
فقاسوه .. فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد ..
فقبضته ملائكة الرحمة ..
فانظر كيف قال له العالم : فارق بلدك .. واخرج من أرضك فإنها أرض سوء ..
وكذلك من كان يريد أن يتوب من الزنا .. لا بد أن يفارق أماكن الاختلاط .. ومن أراد أن يتوب من ترك الصلاة .. أو من سماع الغناء .. أو من أكل الربا .. أو يتوب من أنواع الشرك .. كل هؤلاء .. لا بد أن يفارقوا كل ما يعينهم على تلك المعاصي ..
أسأل الله بأسمائه الحسنى .. أن يقسم لنا من خشيته ما يحول به بيننا وبين معصيته .. ومن طاعته ما يبلغنا به جنته .. وأن يغفر لنا ذنوبنا .. وإسرافنا في أمرنا .. وأن يغنينا بحلاله عن حرامه .. وبفضله عمن سواه .. وأن يتقبل توبتنا .. ويغسل حوبتنا .. إنه سميع مجيب .. وصلى وسلم على النبي الأمي محمد .. وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتبه :
د. محمد بن عبد الرحمن العريفي
عبد الرحمن
لبيك يا الله
الرسائل
النقاط
البلد
بسم الله الرحمن الرحيم
.. رِحْــلَــةُ المُــشْــتَــاقِ ..
الحمد لله الذي سهل لعباده إلى مرضاته سبيلاً ..
وأوضح لهم الهداية وجعل الرسول عليها دليلاً ..
ورضي لهم نفسه رباً .. والإسلام ديناً .. ومحمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً ..
أحمده حمد من لا رب له سواه ..
وأشكره على جزيل فضله وعطاياه ..
وأشهد أن الحلال ما أحلَّه .. والحرام ما حرمه .. والدين ما شرعه ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..
الملك الحق المبين .. الذي يأمر وينهى .. ويفعل ما يشاء ..
وأشهد أن محمداً عبده المصطفى.. ونبيه المرتضى .. الذي لا ينطق عن الهوى ..
أرسله على حين فترة من الرسل .. فهدى به إلى أوضح السبل ..
أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها..وتألفت به القلوب بعد شتاتها ..
فصلوات الله وسلامه عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار .. وصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار ..
أما بعد :
فهذه رحلة مع مشتاق .. نعم مشتاق إلى دخول الجنات .. ورؤية رب الأرض والسماوات ..
إنه حديث عن المشتاقين ..المعظمين للدين ..
الذين تعرض لهم الشهوات..وتحيط بهم الملذات..فلا يلتفتون إليها..
هم جبال راسيات .. وعزائم ماضيات .. عاهدوا ربهم على الثبات ..
قالوا ربنا الله ثم استقاموا ..
يرون الناس عن طريق الاستقامة يتراجعون .. وهم على طاعاتهم ثابتون ..
أعظم ما قربهم إلى ربهم .. ثباتهم على دينهم .. وسرعة توبتهم بعد ذنبهم ..
إنهم قوم .. إذا أذنبوا استغفروا .. وإذا ذكروا ذكروا .. وإذا خوفوا من عذاب الله انزجروا ..
يتركون لذة الملك والسلطان .. والمنعة والمكان ..
في سبيل النجاة من النيران .. والفوز برضا الرحمن ..
{ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون * أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون } ..
هم بشر من البشر .. ما تركوا اللذائذ عجزاً عنها .. ولا مللاً منها ..
بل لهم غرائز وشهوات .. ورغبة في الملذات ..
لكنهم قيدوها بقيد القوي الكريم..يخافون من ربهم عذاب يوم عظيم..
عاهدوا ربهم على الطاعة لما قال لهم : { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } .. فثبتوا على دينهم .. حتى ماتوا مسلمين ..
لم يفلح الشيطان في جرهم إلى خمر خمار .. ولا مخالطة فجار .. ولا سفر إلى بلاد الكفار ..
الناس يتساقطون في الحرام .. وهم ثابتون على الإسلام ..
فعجباً لهم ما أشجعهم .. وأقوى عزائمهم وأثبتهم ..
الكل يتمنى أن يعيش عيشهم .. إن لم يتمنى ذلك في الدنيا .. تمناه في الأخرى ..
* * * * * * * *
ومن تشبه بهم .. فأراد الهداية المرضية .. والسعادة الأبدية ..
فلا ينبغي أن يقعد على أريكته .. وينتظر أن تنزل عليه الهداية من السماء .. أو يشربها مع الماء .. كلا .. بل عليه أن يسعى إلى تحصيلها .. ويبحث عن سبل اتباعها .. ومن يخطب الحسناء لا يغله المهر ..
وقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم .. فأمر بطلبها .. وسلوك سبلها .. للفوز بها ..
* * * * * * * *
وانظر إلى ذاك الشاب النضر .. الذي نشأ في بيت عز وسلطان .. ومنعة ومكان ..
كان معظماً عند قومه .. مهيباً في بلده .. مقدماً بين أقرانه .. فريداً في زمانه ..
انظر إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه ..
كان مجوسياً .. يعبد النار وكان أبوه سيدَ قومه ..
وكان يحبه حباً عظيماً .. وقد حبسه في بيته عند النار ..
ومع طول ملازمته للنار .. اجتهد في المجوسية .. حتى صار قاطن النار الذي يوقدها ..
وكان لأبيه بستان عظيم .. يذهب إليه كل يوم ..
فشغل الأب في بنيان له يوماً في داره .. فقال لسلمان :
فانطلق إلى ضيعتي فاصنع فيها كذا وكذا ..
ففرح سلمان وخرج من حبسه .. وتوجه إلى البستان .. فبينما هو في طريقه إذ مرَّ بكنيسة للنصارى .. فسمع صلاتهم فيها ..
فدخل عليهم ينظر ماذا يصنعون ..
وأعجبه ما رأى من صلاتهم .. ورغب في اتباعهم ..
وقال في نفسه : هذا خير من ديننا الذي نحن عليه ..
فسألهم : عن دينهم ..
فقالوا : أصله بالشام .. وأعلم الناس به هناك ..
فلم يزل عندهم .. حتى غابت الشمس ..
فلما رجع إليه .. قال أبوه : أي بني أين كنت ؟
قال : إني مررت على ناس يصلون في كنيسة لهم .. فأعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم .. ورأيت أن دينهم خير من ديننا ..
ففزع أبوه .. وقال : أي بني .. دينك ودين آبائك خير من دينهم ..
قال : كلا والله .. بل دينهم خير من ديننا ..
فخاف أبوه أن يخرج من دين المجوس .. فجعل في رجله قيداً .. ثم حبسه في البيت..
فلما رأى سلمان ذلك .. بعث إلى النصارى رسولاً من عنده .. يقول لهم : إني قد رضيت دينكم ورغبت فيه .. فإذا قدم عليكم ركب من الشام من النصارى .. فأخبروني بهم ..
فما مضى زمن حتى قدم عليهم ركب من الشام .. تجار من النصارى .. فبعثوا إلى سلمان فأخبروه ..
فقال للرسول : إذا قضى التجار حاجاتهم وأرادوا الرجوع إلى الشام فآذنوني ..
فلما أراد التجار الرجوع أرسلوا إليه .. وواعدوه في مكان .. فتحيل حتى فك القيد من قدميه ..
ثم خرج إليهم فانطلق معهم إلى الشام ..
فلما دخل الشام .. سألهم من أفضل أهل هذا الدين علماً ؟
قالوا : الأسقف في الكنيسة ..
فتوجه إلى الكنيسة .. فأخبر الأسقف خبره .. وقال له : إني قد رغبت في هذا الدين .. وأحب أن أكون معك .. أخدمك .. وأصلي معك .. وأتعلم منك ..
فقال له الأسقف : أقم معي ..
فمكث معه سلمان في الكنيسة ..
فكان سلمان يحرص على الخيرات .. والتعبد والصلوات ..
أما الأسقف فكان رجل سوء في دينه .. كان يأمر الناس بالصدقة ويرغبهم فيها ..
فإذا جمعوا إليه الأموال .. اكتنـزها لنفسه .. ولم يعطها المساكين ..
فأبغضه سلمان بغضاً شديداً .. لكنه لا يستطيع أن يخبر أحداً بخبره .. فهو غريب .. قريب العهد بدينهم ..
فلم يلبث الأسقف أن مات ..
فحزن عليه قومه .. واجتمعوا ليدفنوه ..
فلما رأى سلمان حزنهم عليه قال : إن هذا كان رجل سوء .. يأمركم بالصدقة .. ويرغبكم فيها .. فإذا جئتموه بها .. اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً ..
قالوا فما علامة ذلك ؟ قال : أنا أدلكم على كنزه .. فمضى بهم حتى دلهم على موضع المال .. فحفروه .. فأخرجوا سبع قلال مملوءة ذهباً وفضة ..
فقالوا : والله لا ندفنه أبداً .. ثم صلبوه على خشبة .. ورجموه بالحجارة ..
وجاءوا برجل آخر .. فجعلوه مكانه في الكنيسة ..
قال سلمان : فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس .. كان خيراً منه .. أعظم رغبة في الآخرة .. ولا أزهد في الدنيا .. ولا أدأب ليلاً ولا نهاراً منه .. فأحببته حباً ما علمت أني أحببته شيئاً كان قبله ..
فلم يزل سلمان يخدمه .. حتى كبر وحضرته الوفاة ..
فحزن على فراقه .. وخاف أن لا يثبت على الدين بعده .. فقال له :
يا فلان .. قد حضرك ما ترى من أمر الله .. فإلى من توصي بي ؟
قال : أي بني .. والله ما أعلم أحداً على ما كنت عليه .. لقد هلك الناس وبدلوا .. وتركوا كثيراً مما كانوا عليه ..
إلا رجلاً بالموصل وهو فلان .. وهو على ما كنت عليه فالحق به ..
فلما توفي الرجل العابد .. خرج سلمان من الشام إلى العراق ..
فأتى صاحب الموصل ..
فأقام عنده .. حتى حضرته الوفاة .. فأوصى سلمان لرجل بنصيبين ..
فشد رحاله إلى الشام مرة أخرى ..
حتى أتى نصيبين .. فأقام عند صاحبه طويلاً .. حتى نزل به الموت .. فأوصاه أن يصاحب رجلاً بعمورية بالشام ..
فذهب إلى عمورية ..
وأقام عند صاحبه .. واكتسب حتى كانت عنده بقرات وغنيمة .. ثم لم يلبث العابد أن مرض ونزل به الموت .. فحزن سلمان عليه .. وقال له مودعاً :
يا فلان إلى من توصي بي ؟ فقال الرجل الصالح :
يا سلمان .. والله ما أعلم أصبح على مثل ما نحن فيه أحد من الناس آمرك أن تأتيه .. يعني لقد غير الناس وبدلوا ..
ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية .. يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين ( أي جبلين أسودين ) بينهما نخل .. به علامات لا تخفى :
يأكل الهدية .. ولا يأكل الصدقة .. بين كتفيه خاتم النبوة ..
إذا رأيته عرفته .. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ..
ثم مات ودُفن فمكث سلمان بعمورية ما شاء الله .. أن يمكث ..
وهو يلتمس من يخرج به إلى أرض النبوة ..
فما زال كذلك .. حتى مرَّ به نفر من قبيلة كلب .. تجار .. فسألهم عن بلادهم .. فأخبروه أنهم من أرض العرب ..
فقال لهم : تحملونى إلى أرضكم .. وأعطيكم بقراتي وغنيمتي ؟
قالوا : نعم .. فأعطاهم إياها .. وحملوه معهم ..
حتى إذا قدموا به وادي القُرى .. طمعوا في المال .. فظلموه وادعوا أنه عبد مملوك لهم .. وباعوه لرجل من اليهود .. فلم يستطع سلمان أن يدفع عن نفسه ..
فصار عند هذا اليهودي يخدمه ..
حتى قدم على اليهودي يوماً ابن عم له من المدينة من يهود بنى قريظة .. فاشترى سلمان منه ..
فاحتمله إلى المدينة .. فلما رآها .. ورأى نخلها .. وحجارتها .. عرف أنها أرض النبوة التي وصفها له صاحبه .. فأقام بها .. وأخذ يترقب أخبار النبي المرسل ..
ومرت السنوات ..
وبعث الله رسوله عليه السلام فأقام بمكة ما أقام .. وسلمان لا يسمع له بذكر ..
لشدة ما هو فيه من الخدمة عند اليهودي ..
ثم هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومكث بها .. وسلمان لا يدري عنه شيئاً ..
فبنما هو يوماً في رأس نخلة لسيده .. يعمل فيها .. وسيده جالس أسفل النخلة ..
إذ أقبل رجل يهودي من بني عمه .. حتى وقف عليه .. فقال :
أي فلان .. قاتل الله بني قيلة .. يعني الأوس والخزرج .. إنهم الآن لمجتمعون على رجل بقباء .. قدم من مكة يزعمون أنه نبي ..
فلما سمع سلمان ذلك .. انتفض جسده .. وطار فؤاده ..
ورجفت النخلة .. حتى كاد أن يسقط على صاحبه .. ثم نزل سريعاً وهو يصيح بالرجل : ماذا تقول ؟ ما هذا الخبر ؟
فغضب سيده .. ورفع يده فلطمه بها لطمة شديدة .. ثم قال :
ما لك ولهذا ؟ أقبل على عملك ..
فسكت سلمان .. وصعد نخلته يكمل عمله ..
وقلبه مشغول بخبر النبوة .. ويريد أن يتيقن من صفات هذا النبي .. التي وصفها صاحبه .. يأكل الهدية .. ولا يأكل الصدقة .. وبين كتفيه خاتم النبوة ..
فلما أقبل الليل .. جمع ما كان عنده من طعام .. ثم خرج حتى جاء إلى رسول الله .. وهو جالس بقُباء فدخل عليه .. فإذا حوله نفر من أصحابه .. فقال :
إنه بلغني أنكم أهل حاجة وغربة .. وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة .. فجئتكم به ..
ثم وضعه سلمان بين يدي النبي عليه السلام .. واعتزل ناحية ينظر إليه ماذا يفعل ؟
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطعام .. ثم التفت إلى أصحابه .. فقال :كلوا ..
وأمسك هو فلم يأكل ..
فلما رأى سلمان ذلك قال في نفسه : هذه والله واحدة .. لا يأكل الصدقة .. وبقي اثنتان ..
ثم رجع إلى سيده ..
وبعدها بأيام .. جمع طعاماً آخر .. ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه .. ثم قال له : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة .. وهذه هدية أهديتها كرامة لك .. ليست بصدقة ..
ثم وضعها بين يديه صلى الله عليه وسلم ..فمد يده إليها .. فأكل وأكل أصحابه ..
فلما رأى سلمان ذلك قال في نفسه : هذه أخرى ..
وبقي واحدة .. أن ينظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم .. ولكن أنى له ذلك ..
رجع سلمان إلى خدمة سيده .. وقلبه مشغول بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فمكث أياماً .. ثم مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبحث عنه .. فإذا هو في بقيع الغرقد .. قد تبع جنازة رجل من الأنصار .. فجاءه فإذا حوله أصحابه .. وعليه شملتان مؤتزراً بواحدة .. مرتدياً بالأخرى .. كلباس الإحرام ..
فسلم عليه .. ثم استدار ينظر إلى ظهره .. هل يرى الخاتم الذي وصف له صاحبه !!
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم استدارته عرف أنه يستثبت في شيء وصف له ..
فحرك كتفيه .. فألقى رداءه عن ظهره .. فنظر سلمان إلى الخاتم .. فعرفه .. فانكب عليه يقبله ويبكى ..
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم تحول .. أي اجلس أمامي .. فاستدار حتى قابل وجه النبي عليه السلام ..
فسأله صلى الله عليه وسلم عن خبره .. فقص عليه قصته .. وأخبره أنه كان شاباً مترفاً .. ترك العز والسلطان .. طلباً للهداية والإيمان .. حتى تنقل بين الرهبان .. يخدمهم ويتعلم منهم ..
واستقر به المقام عبداً مملوكاً ليهودي في المدينة ..
ثم أخذ سلمان ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ودموعه تجري على خدية .. فرحاً وبشراً ..
ثم أسلم .. ونطق الشهادتين .. ومضى إلى سيده اليهودي .. فزاده اليهودي شغلاً وخدمة ..
فكان الصحابة يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم .. أما هو فقد شغله الرق .. عن مجالسته .. حتى فاتته معركة بدر ثم أحد ..
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال له : كاتب يا سلمان .. أي اشتر نفسك من سيدك بمال تؤديه إليه ..
فسأل سلمان صاحبه أن يكاتبه .. فشدد عليه اليهودي ..
وأبى عليه إلا بأربعين أوقية من ورق ..
وثلاثِمائةِ نخلة .. يجمعها فسائل صغار .. ثم يغرسها .. واشترط عليه أن تحيا كلُّها ..
فلما أخبر سلمان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما اشترط عليه اليهودي .. قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : أعينوا أخاكم بالنخل ..
فأعانه المسلمون .. وجعل الرجل يمضي إلى بستانه فيأتيه بما يستطيع من فسيلة نخل .. فلما جمع النخل ..
فقال صلى الله عليه وسلم : يا سلمان .. اذهب ففقر لها - أي احفر لها - لغرسها .. فإذا أنت أردت أن تضعها فلا تضعها حتى تأتيني فتؤذنني ..
فبدأ سلمان يحفر لها .. وأعانه أصحابه .. حتى حفر ثلاثَمائة حفرة ..
ثم جاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم .. فخرج صلى الله عليه وسلم معه إليها .. فجعل الصحابة يقربون له فسيلة النخل .. ويضعه صلى الله عليه وسلم بيده في الحفر ..
قال سلمان : فوالذي نفس سلمان بيده..ما ماتت منها نخلة واحدة ..
فلما أدى النخل إلى اليهودي .. بقي عليه المال ..
فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بذهب من بعض المغازي ..
فالتفت إلى أصحابه وقال : ما فعل الفارسي المكاتب ..
فدعوه له .. فقال صلى الله عليه وسلم : خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان ..
فأخذها سلمان .. فأدى منها المال إلى اليهودي ..
وعتق .. ثم لازم النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ..
* * * * * * * *
هذا خبر سلمان الفارسي .. الذي ترك العيش الهني .. والوطن الرضي .. وأنواع الشهوات ..
وسافر في البلاد .. وتنقل بين ذل الخدمة .. ورق العبودية .. طلباً للهداية الأبدية ..
عظم الخالق في نفسه .. واستأنس بذكره وقربه .. وتنعم بمناجاته وحبه .. فصغر ما دونه في عينه ..
تعب أياماً قليلة .. أعقبته راحةً طويلة ..
إذا ذكرت له الجنات .. طارت نفسه شوقاً إليها ..
وتخيل لو أنه فيها ينعم .. ومن أشجارها يأكل .. وإلى خالقها ينظر ..
فينسى عند ذلك شدةَ العذاب .. وجليلَ المصاب ..
فلله ما أبهى ثباتهم له وقد حصلت تلك الجوائز تقسم
دعاهم فلبوه رضا ومحبة فلما دعوه كان أقرب منهم
ينادونه يا رب يا رب إننا عبيدك لا نبغي سواك وتعلم
ولو كان يرضي الله نحر نفوسهم لدانوا بها طوعاً ولله سلموا
كما بذلوا عند الجهاد نحورهم لأعدائه حتى جرى منهم الدم
ولله أكباد هنالك أودع الغرام بها فالنار فيها تضرم
ولله أنفاس يكاد بحرها يذوب المحب المستهام المتيم
ولله أفضال هناك ونعمة وبر وإحسان وجود ومرحم
ولله كم من عبرة مهراقة وأخرى على آثارها لا تقدم
وقد شرقت عين المحب بدمعها فينظر من بين الدموع ويسجم
فبالله ما عذر امرئ هو مؤمن بهذا ولا يسعى له ويقدم
ولكنما التوفيق بالله إنه يخص به من شاء فضلاً وينعم
.. رِحْــلَــةُ المُــشْــتَــاقِ ..
الحمد لله الذي سهل لعباده إلى مرضاته سبيلاً ..
وأوضح لهم الهداية وجعل الرسول عليها دليلاً ..
ورضي لهم نفسه رباً .. والإسلام ديناً .. ومحمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً ..
أحمده حمد من لا رب له سواه ..
وأشكره على جزيل فضله وعطاياه ..
وأشهد أن الحلال ما أحلَّه .. والحرام ما حرمه .. والدين ما شرعه ..
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..
الملك الحق المبين .. الذي يأمر وينهى .. ويفعل ما يشاء ..
وأشهد أن محمداً عبده المصطفى.. ونبيه المرتضى .. الذي لا ينطق عن الهوى ..
أرسله على حين فترة من الرسل .. فهدى به إلى أوضح السبل ..
أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها..وتألفت به القلوب بعد شتاتها ..
فصلوات الله وسلامه عليه ما ذكره الذاكرون الأبرار .. وصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار ..
أما بعد :
فهذه رحلة مع مشتاق .. نعم مشتاق إلى دخول الجنات .. ورؤية رب الأرض والسماوات ..
إنه حديث عن المشتاقين ..المعظمين للدين ..
الذين تعرض لهم الشهوات..وتحيط بهم الملذات..فلا يلتفتون إليها..
هم جبال راسيات .. وعزائم ماضيات .. عاهدوا ربهم على الثبات ..
قالوا ربنا الله ثم استقاموا ..
يرون الناس عن طريق الاستقامة يتراجعون .. وهم على طاعاتهم ثابتون ..
أعظم ما قربهم إلى ربهم .. ثباتهم على دينهم .. وسرعة توبتهم بعد ذنبهم ..
إنهم قوم .. إذا أذنبوا استغفروا .. وإذا ذكروا ذكروا .. وإذا خوفوا من عذاب الله انزجروا ..
يتركون لذة الملك والسلطان .. والمنعة والمكان ..
في سبيل النجاة من النيران .. والفوز برضا الرحمن ..
{ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون * أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون } ..
هم بشر من البشر .. ما تركوا اللذائذ عجزاً عنها .. ولا مللاً منها ..
بل لهم غرائز وشهوات .. ورغبة في الملذات ..
لكنهم قيدوها بقيد القوي الكريم..يخافون من ربهم عذاب يوم عظيم..
عاهدوا ربهم على الطاعة لما قال لهم : { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } .. فثبتوا على دينهم .. حتى ماتوا مسلمين ..
لم يفلح الشيطان في جرهم إلى خمر خمار .. ولا مخالطة فجار .. ولا سفر إلى بلاد الكفار ..
الناس يتساقطون في الحرام .. وهم ثابتون على الإسلام ..
فعجباً لهم ما أشجعهم .. وأقوى عزائمهم وأثبتهم ..
الكل يتمنى أن يعيش عيشهم .. إن لم يتمنى ذلك في الدنيا .. تمناه في الأخرى ..
* * * * * * * *
ومن تشبه بهم .. فأراد الهداية المرضية .. والسعادة الأبدية ..
فلا ينبغي أن يقعد على أريكته .. وينتظر أن تنزل عليه الهداية من السماء .. أو يشربها مع الماء .. كلا .. بل عليه أن يسعى إلى تحصيلها .. ويبحث عن سبل اتباعها .. ومن يخطب الحسناء لا يغله المهر ..
وقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم .. فأمر بطلبها .. وسلوك سبلها .. للفوز بها ..
* * * * * * * *
وانظر إلى ذاك الشاب النضر .. الذي نشأ في بيت عز وسلطان .. ومنعة ومكان ..
كان معظماً عند قومه .. مهيباً في بلده .. مقدماً بين أقرانه .. فريداً في زمانه ..
انظر إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه ..
كان مجوسياً .. يعبد النار وكان أبوه سيدَ قومه ..
وكان يحبه حباً عظيماً .. وقد حبسه في بيته عند النار ..
ومع طول ملازمته للنار .. اجتهد في المجوسية .. حتى صار قاطن النار الذي يوقدها ..
وكان لأبيه بستان عظيم .. يذهب إليه كل يوم ..
فشغل الأب في بنيان له يوماً في داره .. فقال لسلمان :
فانطلق إلى ضيعتي فاصنع فيها كذا وكذا ..
ففرح سلمان وخرج من حبسه .. وتوجه إلى البستان .. فبينما هو في طريقه إذ مرَّ بكنيسة للنصارى .. فسمع صلاتهم فيها ..
فدخل عليهم ينظر ماذا يصنعون ..
وأعجبه ما رأى من صلاتهم .. ورغب في اتباعهم ..
وقال في نفسه : هذا خير من ديننا الذي نحن عليه ..
فسألهم : عن دينهم ..
فقالوا : أصله بالشام .. وأعلم الناس به هناك ..
فلم يزل عندهم .. حتى غابت الشمس ..
فلما رجع إليه .. قال أبوه : أي بني أين كنت ؟
قال : إني مررت على ناس يصلون في كنيسة لهم .. فأعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم .. ورأيت أن دينهم خير من ديننا ..
ففزع أبوه .. وقال : أي بني .. دينك ودين آبائك خير من دينهم ..
قال : كلا والله .. بل دينهم خير من ديننا ..
فخاف أبوه أن يخرج من دين المجوس .. فجعل في رجله قيداً .. ثم حبسه في البيت..
فلما رأى سلمان ذلك .. بعث إلى النصارى رسولاً من عنده .. يقول لهم : إني قد رضيت دينكم ورغبت فيه .. فإذا قدم عليكم ركب من الشام من النصارى .. فأخبروني بهم ..
فما مضى زمن حتى قدم عليهم ركب من الشام .. تجار من النصارى .. فبعثوا إلى سلمان فأخبروه ..
فقال للرسول : إذا قضى التجار حاجاتهم وأرادوا الرجوع إلى الشام فآذنوني ..
فلما أراد التجار الرجوع أرسلوا إليه .. وواعدوه في مكان .. فتحيل حتى فك القيد من قدميه ..
ثم خرج إليهم فانطلق معهم إلى الشام ..
فلما دخل الشام .. سألهم من أفضل أهل هذا الدين علماً ؟
قالوا : الأسقف في الكنيسة ..
فتوجه إلى الكنيسة .. فأخبر الأسقف خبره .. وقال له : إني قد رغبت في هذا الدين .. وأحب أن أكون معك .. أخدمك .. وأصلي معك .. وأتعلم منك ..
فقال له الأسقف : أقم معي ..
فمكث معه سلمان في الكنيسة ..
فكان سلمان يحرص على الخيرات .. والتعبد والصلوات ..
أما الأسقف فكان رجل سوء في دينه .. كان يأمر الناس بالصدقة ويرغبهم فيها ..
فإذا جمعوا إليه الأموال .. اكتنـزها لنفسه .. ولم يعطها المساكين ..
فأبغضه سلمان بغضاً شديداً .. لكنه لا يستطيع أن يخبر أحداً بخبره .. فهو غريب .. قريب العهد بدينهم ..
فلم يلبث الأسقف أن مات ..
فحزن عليه قومه .. واجتمعوا ليدفنوه ..
فلما رأى سلمان حزنهم عليه قال : إن هذا كان رجل سوء .. يأمركم بالصدقة .. ويرغبكم فيها .. فإذا جئتموه بها .. اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئاً ..
قالوا فما علامة ذلك ؟ قال : أنا أدلكم على كنزه .. فمضى بهم حتى دلهم على موضع المال .. فحفروه .. فأخرجوا سبع قلال مملوءة ذهباً وفضة ..
فقالوا : والله لا ندفنه أبداً .. ثم صلبوه على خشبة .. ورجموه بالحجارة ..
وجاءوا برجل آخر .. فجعلوه مكانه في الكنيسة ..
قال سلمان : فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس .. كان خيراً منه .. أعظم رغبة في الآخرة .. ولا أزهد في الدنيا .. ولا أدأب ليلاً ولا نهاراً منه .. فأحببته حباً ما علمت أني أحببته شيئاً كان قبله ..
فلم يزل سلمان يخدمه .. حتى كبر وحضرته الوفاة ..
فحزن على فراقه .. وخاف أن لا يثبت على الدين بعده .. فقال له :
يا فلان .. قد حضرك ما ترى من أمر الله .. فإلى من توصي بي ؟
قال : أي بني .. والله ما أعلم أحداً على ما كنت عليه .. لقد هلك الناس وبدلوا .. وتركوا كثيراً مما كانوا عليه ..
إلا رجلاً بالموصل وهو فلان .. وهو على ما كنت عليه فالحق به ..
فلما توفي الرجل العابد .. خرج سلمان من الشام إلى العراق ..
فأتى صاحب الموصل ..
فأقام عنده .. حتى حضرته الوفاة .. فأوصى سلمان لرجل بنصيبين ..
فشد رحاله إلى الشام مرة أخرى ..
حتى أتى نصيبين .. فأقام عند صاحبه طويلاً .. حتى نزل به الموت .. فأوصاه أن يصاحب رجلاً بعمورية بالشام ..
فذهب إلى عمورية ..
وأقام عند صاحبه .. واكتسب حتى كانت عنده بقرات وغنيمة .. ثم لم يلبث العابد أن مرض ونزل به الموت .. فحزن سلمان عليه .. وقال له مودعاً :
يا فلان إلى من توصي بي ؟ فقال الرجل الصالح :
يا سلمان .. والله ما أعلم أصبح على مثل ما نحن فيه أحد من الناس آمرك أن تأتيه .. يعني لقد غير الناس وبدلوا ..
ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية .. يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين ( أي جبلين أسودين ) بينهما نخل .. به علامات لا تخفى :
يأكل الهدية .. ولا يأكل الصدقة .. بين كتفيه خاتم النبوة ..
إذا رأيته عرفته .. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ..
ثم مات ودُفن فمكث سلمان بعمورية ما شاء الله .. أن يمكث ..
وهو يلتمس من يخرج به إلى أرض النبوة ..
فما زال كذلك .. حتى مرَّ به نفر من قبيلة كلب .. تجار .. فسألهم عن بلادهم .. فأخبروه أنهم من أرض العرب ..
فقال لهم : تحملونى إلى أرضكم .. وأعطيكم بقراتي وغنيمتي ؟
قالوا : نعم .. فأعطاهم إياها .. وحملوه معهم ..
حتى إذا قدموا به وادي القُرى .. طمعوا في المال .. فظلموه وادعوا أنه عبد مملوك لهم .. وباعوه لرجل من اليهود .. فلم يستطع سلمان أن يدفع عن نفسه ..
فصار عند هذا اليهودي يخدمه ..
حتى قدم على اليهودي يوماً ابن عم له من المدينة من يهود بنى قريظة .. فاشترى سلمان منه ..
فاحتمله إلى المدينة .. فلما رآها .. ورأى نخلها .. وحجارتها .. عرف أنها أرض النبوة التي وصفها له صاحبه .. فأقام بها .. وأخذ يترقب أخبار النبي المرسل ..
ومرت السنوات ..
وبعث الله رسوله عليه السلام فأقام بمكة ما أقام .. وسلمان لا يسمع له بذكر ..
لشدة ما هو فيه من الخدمة عند اليهودي ..
ثم هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومكث بها .. وسلمان لا يدري عنه شيئاً ..
فبنما هو يوماً في رأس نخلة لسيده .. يعمل فيها .. وسيده جالس أسفل النخلة ..
إذ أقبل رجل يهودي من بني عمه .. حتى وقف عليه .. فقال :
أي فلان .. قاتل الله بني قيلة .. يعني الأوس والخزرج .. إنهم الآن لمجتمعون على رجل بقباء .. قدم من مكة يزعمون أنه نبي ..
فلما سمع سلمان ذلك .. انتفض جسده .. وطار فؤاده ..
ورجفت النخلة .. حتى كاد أن يسقط على صاحبه .. ثم نزل سريعاً وهو يصيح بالرجل : ماذا تقول ؟ ما هذا الخبر ؟
فغضب سيده .. ورفع يده فلطمه بها لطمة شديدة .. ثم قال :
ما لك ولهذا ؟ أقبل على عملك ..
فسكت سلمان .. وصعد نخلته يكمل عمله ..
وقلبه مشغول بخبر النبوة .. ويريد أن يتيقن من صفات هذا النبي .. التي وصفها صاحبه .. يأكل الهدية .. ولا يأكل الصدقة .. وبين كتفيه خاتم النبوة ..
فلما أقبل الليل .. جمع ما كان عنده من طعام .. ثم خرج حتى جاء إلى رسول الله .. وهو جالس بقُباء فدخل عليه .. فإذا حوله نفر من أصحابه .. فقال :
إنه بلغني أنكم أهل حاجة وغربة .. وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة .. فجئتكم به ..
ثم وضعه سلمان بين يدي النبي عليه السلام .. واعتزل ناحية ينظر إليه ماذا يفعل ؟
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطعام .. ثم التفت إلى أصحابه .. فقال :كلوا ..
وأمسك هو فلم يأكل ..
فلما رأى سلمان ذلك قال في نفسه : هذه والله واحدة .. لا يأكل الصدقة .. وبقي اثنتان ..
ثم رجع إلى سيده ..
وبعدها بأيام .. جمع طعاماً آخر .. ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه .. ثم قال له : إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة .. وهذه هدية أهديتها كرامة لك .. ليست بصدقة ..
ثم وضعها بين يديه صلى الله عليه وسلم ..فمد يده إليها .. فأكل وأكل أصحابه ..
فلما رأى سلمان ذلك قال في نفسه : هذه أخرى ..
وبقي واحدة .. أن ينظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم .. ولكن أنى له ذلك ..
رجع سلمان إلى خدمة سيده .. وقلبه مشغول بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فمكث أياماً .. ثم مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبحث عنه .. فإذا هو في بقيع الغرقد .. قد تبع جنازة رجل من الأنصار .. فجاءه فإذا حوله أصحابه .. وعليه شملتان مؤتزراً بواحدة .. مرتدياً بالأخرى .. كلباس الإحرام ..
فسلم عليه .. ثم استدار ينظر إلى ظهره .. هل يرى الخاتم الذي وصف له صاحبه !!
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم استدارته عرف أنه يستثبت في شيء وصف له ..
فحرك كتفيه .. فألقى رداءه عن ظهره .. فنظر سلمان إلى الخاتم .. فعرفه .. فانكب عليه يقبله ويبكى ..
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم تحول .. أي اجلس أمامي .. فاستدار حتى قابل وجه النبي عليه السلام ..
فسأله صلى الله عليه وسلم عن خبره .. فقص عليه قصته .. وأخبره أنه كان شاباً مترفاً .. ترك العز والسلطان .. طلباً للهداية والإيمان .. حتى تنقل بين الرهبان .. يخدمهم ويتعلم منهم ..
واستقر به المقام عبداً مملوكاً ليهودي في المدينة ..
ثم أخذ سلمان ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ودموعه تجري على خدية .. فرحاً وبشراً ..
ثم أسلم .. ونطق الشهادتين .. ومضى إلى سيده اليهودي .. فزاده اليهودي شغلاً وخدمة ..
فكان الصحابة يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم .. أما هو فقد شغله الرق .. عن مجالسته .. حتى فاتته معركة بدر ثم أحد ..
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال له : كاتب يا سلمان .. أي اشتر نفسك من سيدك بمال تؤديه إليه ..
فسأل سلمان صاحبه أن يكاتبه .. فشدد عليه اليهودي ..
وأبى عليه إلا بأربعين أوقية من ورق ..
وثلاثِمائةِ نخلة .. يجمعها فسائل صغار .. ثم يغرسها .. واشترط عليه أن تحيا كلُّها ..
فلما أخبر سلمان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما اشترط عليه اليهودي .. قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : أعينوا أخاكم بالنخل ..
فأعانه المسلمون .. وجعل الرجل يمضي إلى بستانه فيأتيه بما يستطيع من فسيلة نخل .. فلما جمع النخل ..
فقال صلى الله عليه وسلم : يا سلمان .. اذهب ففقر لها - أي احفر لها - لغرسها .. فإذا أنت أردت أن تضعها فلا تضعها حتى تأتيني فتؤذنني ..
فبدأ سلمان يحفر لها .. وأعانه أصحابه .. حتى حفر ثلاثَمائة حفرة ..
ثم جاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم .. فخرج صلى الله عليه وسلم معه إليها .. فجعل الصحابة يقربون له فسيلة النخل .. ويضعه صلى الله عليه وسلم بيده في الحفر ..
قال سلمان : فوالذي نفس سلمان بيده..ما ماتت منها نخلة واحدة ..
فلما أدى النخل إلى اليهودي .. بقي عليه المال ..
فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بذهب من بعض المغازي ..
فالتفت إلى أصحابه وقال : ما فعل الفارسي المكاتب ..
فدعوه له .. فقال صلى الله عليه وسلم : خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان ..
فأخذها سلمان .. فأدى منها المال إلى اليهودي ..
وعتق .. ثم لازم النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات ..
* * * * * * * *
هذا خبر سلمان الفارسي .. الذي ترك العيش الهني .. والوطن الرضي .. وأنواع الشهوات ..
وسافر في البلاد .. وتنقل بين ذل الخدمة .. ورق العبودية .. طلباً للهداية الأبدية ..
عظم الخالق في نفسه .. واستأنس بذكره وقربه .. وتنعم بمناجاته وحبه .. فصغر ما دونه في عينه ..
تعب أياماً قليلة .. أعقبته راحةً طويلة ..
إذا ذكرت له الجنات .. طارت نفسه شوقاً إليها ..
وتخيل لو أنه فيها ينعم .. ومن أشجارها يأكل .. وإلى خالقها ينظر ..
فينسى عند ذلك شدةَ العذاب .. وجليلَ المصاب ..
فلله ما أبهى ثباتهم له وقد حصلت تلك الجوائز تقسم
دعاهم فلبوه رضا ومحبة فلما دعوه كان أقرب منهم
ينادونه يا رب يا رب إننا عبيدك لا نبغي سواك وتعلم
ولو كان يرضي الله نحر نفوسهم لدانوا بها طوعاً ولله سلموا
كما بذلوا عند الجهاد نحورهم لأعدائه حتى جرى منهم الدم
ولله أكباد هنالك أودع الغرام بها فالنار فيها تضرم
ولله أنفاس يكاد بحرها يذوب المحب المستهام المتيم
ولله أفضال هناك ونعمة وبر وإحسان وجود ومرحم
ولله كم من عبرة مهراقة وأخرى على آثارها لا تقدم
وقد شرقت عين المحب بدمعها فينظر من بين الدموع ويسجم
فبالله ما عذر امرئ هو مؤمن بهذا ولا يسعى له ويقدم
ولكنما التوفيق بالله إنه يخص به من شاء فضلاً وينعم
عبد الرحمن
لبيك يا الله
الرسائل
النقاط
البلد
* * * * * * * *
ومن الناس .. من يشتاق إلى الهداية .. ولكن يمنعه منها بغضه لبعض الصالحين .. أو مواقف وقعت له معهم .. فحمل في نفسه عليهم ..
أو تجده يعلق صلاحه واستقامته بأشخاص يعينونه على الدين .. فإذا فسدت أحوالهم .. أو فرق الدهر بينهم ..انتكس عن الدين .. وعصى رب العالمين ..
وهذا حال أولئك المرتدين .. الذين علقوا إسلامهم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم .. فما داموا يخالطونه .. ويحدثهم ويساكنونه .. فهم ثابتون على الدين .. بل قُوّام في الأسحار .. صُوّام في النهار ..
ولكن ما إن فارق سواده سوادهم .. حتى ارتدوا على أدبارهم ..وكفروا بعد إسلامهم ..
حتى قال لهم أبو بكر رضي الله عنه : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ..
نعم ..الله حي لا يموت..يسمع دعاء الداعين ..ويقبل توبة التائبين..
من لجأ إليه كفاه .. ومن فرَّ إليه قربه وأدناه ..
إن ذكره العبد في نفسه ذكره في نفسه .. وإن ذكره في ملأ ذكره في ملأٍ خير منهم ..
من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً .. ومن تقرب إليه ذراعاً .. تقرب إليه باعاً ..
ومن استقر في قلبه الإيمان .. ثبت على عبادة الرحمن .. وإن اشتد البلاء ..
وانتقل معي إن شئت إلى هناك .. انتقل إلى هناك ..
وادخل إلى المدينة ..
وانظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام .. وقد جلس مع أصحابه الكرام ..
فحدثهم عن البيتِ الحرام .. وفضلِ العمرة والإحرام ..
فطارت أفئدتهم شوقاً إلى ذاك المقام ..
فأمرهم بالتجهز للرحيل إليه .. وحثهم على التسابق عليه ..
فما لبثوا أن تجهزوا .. وحملوا سلاحهم وتحرزوا ..
فخرج صلى الله عليه وسلم مع ألف وأربعمائة من أصحابه .. مهلين بالعمرة ملبين .. يتسابقون إلى البلد الأمين ..
فلما اقتربوا من جبال مكة ..
بركت القصواء - ناقة النبي عليه السلام - .. فحاول أن يبعثها لتسير .. فأبت عليه ..
فقال الناس : خلأت القصواء .. ( أي عصت ) فقال صلى الله عليه وسلم :
ما خلأت القصواء .. وما ذاك لها بخلق .. ولكن حبسها حابس الفيل ( يعني فيل أبرهة لما أقبل به مع جيش من اليمن يريد هدم الكعبة فحبسهم الله عن ذلك ) ..
ثم قال صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله .. إلا أعطيتهم إياها ..
ثم زجرها فوثبت .. فتوجه إلى مكة .. حتى نزل بالحديبية قريباً من مكة .. فتسامع به كفار قريش .. فخرج إليه كبارهم ليردوه عن مكة .. فأبى إلا أن يدخلها معتمراً ..
فما زالت البعوث بينه وبين قريش..حتى أقبل عليه سهيل بن عمرو ..
فصالح النبي صلى الله عليه وسلم على أن يعودوا إلى المدينة..ويعتمروا في العام القادم..
ثم كتبوا بينهم صلحاً عاماً .. وفيه :
اشترط سهيل : أنه لا يخرج من مكة مسلم مستضعف يريد المدينة .. إلا رُدَّ إلى مكة .. أما من خرج من المدينة وجاء إلى مكة مرتداً إلى الكفر .. فيُقبل في مكة ..
فقال المسلمون : سبحان الله !! من جاءنا مسلماً نرده إلى الكافرين !! كيف نرده إلى المشركين وقد جاء مسلماً ..
فبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم .. شاب يسير على الرمضاء .. يرفل في قيوده .. وهو يصيح : يا رسول الله ..
فنظروا إليه .. فإذا هو أبو جندل ولد سهيل بن عمرو .. وكان قد أسلم فعذبه أبوه وحبسه .. فلما سمع بالمسلمين .. تفلت من الحبس وأقبل يجر قيوده .. تسيل جراحه دماً .. وتفيض عيونه دمعاً ..
ثم رمى بجسده المتهالك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ..والمسلمون ينظرون إليه ..
فلما رآه سهيل .. غضب !! كيف تفلت هذا الفتى من حبسه .. ثم صاح بأعلى صوته : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي ..
فقال : إنا لم نقض الكتاب بعد ..
قال : فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً ..
فقال : فأجزه لي .. قال : ما أنا بمجيزه لك .. قال : بلى فافعل .. قال : ما أنا بفاعل .. فسكت النبي ..
وقام سهيل سريعاً إلى ولده يجره بقيوده .. وأبو جندل يصيح ويستغيث بالمسلمين .. يقول :
أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً .. ألا ترون ما قد لقيت من العذاب .. ولا زال يستغيث بهم حتى غاب عنهم ..
والمسلمون تذوب أفئدتهم حزناً عليه .. فتى في ريعان الشباب .. يُشدد عليه العذاب ..
وينقل من العيش الرغيد .. إلى البلاء الشديد ..
وهو ابن سيد من السادات..طالما تنعم بالملذات..وتلذذ بالشهوات ..
ثم يجر أمام المسلمين بقيوده .. ليعاد إلى سجنه وحديده ..
وهم لا يملكون له شيئاً ..
مضى أبو جندل إلى مكة وحيداً .. يسأل ربع الثبات على الدين .. والعصمة واليقين ..
أما المسلمون فقد رجعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .. وهم في حنق شديد على الكافرين .. وحزن على المسلمين المستضعفين ..
ثم اشتد العذاب على الضعفاء في مكة .. حتى لم يطيقوا له احتمالاً ..
فبدأ أبو جندل .. وصاحبه أبو بصير .. والمستضعفون في مكة .. يحاولون التفلت من قيودهم ..
حتى استطاع أبو بصير رضي الله عنه أن يهرب من حبسه .. فمضى من ساعته إلى المدينة .. يحمله الشوق .. ويحدوه الأمل .. في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ..
مضى يطوي قفار الصحراء .. تحترق قدماه على الرمضاء ..
حتى وصل المدينة .. فتوجه إلى مسجدها ..
فبينما النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد مع أصحابه .. إذ دخل عليهم أبو بصير .. عليه أثرُ العذاب .. ووعثاءُ السفر .. وهو أشعث أغبر ..
فما كاد يلتقط أنفاسه .. حتى أقبل رجلان من كفار قريش فدخلا المسجد .. فلما رآهما أبو بصير .. فزع واضطرب .. وعادت إليه صورة العذاب ..
فإذا هما يصيحان .. يا محمد .. رده إلينا .. العهدُ الذي جعلت لنا ..
فتذكر النبي صلى الله عليه وسلم عهده لقريش أن يرد إليهم من يأتيه من مكة ..
فأشار إلى أبي بصير .. أن يخرج من المدينة ..
فخرج معهما أبو بصير .. فلما جاوزا المدينة .. نزلا لطعام .. وجلس أحدهما عند أبي بصير ..
وغاب الآخر ليقضي حاجته ..
فأخرج القاعد عند أبي بصير سيفه .. ثم أخذ يهزه .. ويقول مستهزءاً بأبي بصير : لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوماً إلى الليل ..
فقال له أبو بصير : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً .. فقال : أجل والله إنه لجيد لقد جربت به .. ثم جربت ..
فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه .. فناوله إياه .. فما كاد السيف يستقر في يده .. حتى رفعه ثم هوى به على رقبة الرجل فأطار رأسه ..
فلما رجع الآخر من حاجته ..
رأى جسد صاحبه ممزقاً .. مجندلاً ممزقاً .. ففزع .. وفرَّ حتى أتى المدينة .. فدخل المسجد يعدو ..
فلما رآه صلى الله عليه وسلم مقبلاً .. فزعاً .. قال : لقد رأى هذا ذعراً ..
فلما وقف بين يديه صلى الله عليه وسلم صاح من شدة الفزع .. قال : قُتِل والله صاحبي .. وإني لمقتول ..
فلم يلبث أن دخل عليهم أبو بصير .. تلتمع عيناه شرراً .. والسيف في يده يقطر دماً .. فقال :
يا نبي الله .. قد أوفى الله ذمتك .. قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم .. فضمني إليكم .. قال : لا ..
فصاح أبو بصير بأعلى صوته .. قال : أو .. يا رسول الله .. أعطني رجالاً أفتح لك مكة ..
فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال : ويل أمه مسعِّر حرب لو كان معه رجال..ثم تذكر عهده مع قريش فأمر أبا بصير بالخروج من المدينة ..
فسمع أبو بصير وأطاع ..
نعم .. وما حمل في نفسه على الدين .. ولا انقلب عدواً للمسلمين ..
فهو يرجو ما عند الحليم الكريم .. من الثواب العظيم .. الذي من أجله ترك أهله .. وفارق ولده .. وأتعب نفسه .. وعذب جسده ..
خرج أبو بصير من المدينة .. فاحتار أين يذهب .. ففي مكة عذاب وقيود .. وفي المدينة مواثيق وعهود ..
فمضى إلى سيف البحر في شمال جدة .. فنزل هناك .. في صحراء قاحلة .. لا أنيس فيها ولا جليس ..
فتسامع به المسلمون المستضعفون بمكة .. فعلموا أنه باب فرج انفتح لهم .. فالمسلمون في المدينة لا يقبلونهم .. والكفار في مكة يعذبونهم ..
فتفلت أبو جندل من قيوده .. فلحق بأبي بصير .. ثم جعل المسلمون يتوافدون إليه في مكانه .. حتى كثر عددهم .. واشتدت قوتهم ..
فجعلت لا تمر بهم قافلة تجارة لقريش .. إلا اعترضوا لها ..
فلما كثر ذلك على قريش ..
أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه بالله أن يضمهم إليه .. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أن يأتوا المدينة ؟
فلما وصل إليهم الكتاب .. استبشروا وفرحوا ..
لكن أبا بصير كان قد ألم به مرض الموت .. وهو يردد قائلاً : ربي العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر ..
فلما دخلوا عليه وأخبروه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم بسكنى المدينة .. وأن غربتهم انتهت .. وحاجتهم قضيت .. ونفوسهم أمنت ..
فاستبشر أبو بصير .. ثم قال وهو يصارع الموت : أروني كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فناولوه إياه ..
فأخذه فقبله .. ثم جعله على صدره .. وقال : أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله .. أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله .. ثم شهق ومات ..
نعم .. مات أبو بصير .. ولم يذق من لذة الدنيا شيئاً ..
مات .. وهو قد خدم الدين .. وجاهد لرب العالمين ..
مات .. لكنه استراح من عناء هذه الدار .. ويرجى أن يكون في دار القرار ..
ينظر فيها إلى وجه رب الأرض والسماء .. الذي سفك من أجله الدماء .. ومات مشرداً في الصحراء ..
* * * * * * * *
ولإن غلقت دونه أبواب الأرض .. فلعله فتحت له أبواب السماء ..
قال الله : { هذا ذكر وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } ..
فطوبى لأبي بصير .. من يثبت اليوم مثل ثباته ..
شابٌ أسعده الله بطاعته .. وحفظه برعايته .. وتولاه بعنايته ..
همه في الجد والطلب .. وبدنه في الصلاة والقُرَب ..
فلو رأيت بكاءه في الخلوات .. وعند تلاوة السور والآيات ..
لسمعت لصدره أنات .. ورأيت في وجهه حسرات ..
أذاقه الله طعم محبته .. ونعمه بمناجاته ..
فقطعه ذلك عن الشهوات .. وجانب اللذات ..
فهو راضٍ كل الرضا .. وإن اشتد عليه البلا ..
وأنت يا من لم تبتلى ببلائه .. ولم تُضَرَّ بضرائه ..
يا من تتقلب في النعم .. ولا تخشى النقم ..
يا من تنادى في الليل والنهار .. لطاعة العزيز الغفار ..
أنت يا من ملت منك الشهوات .. وتتابعت الزلات وعظمت السيئات .. أما آن لك أن تتوب .. وتترك الذنوب وتئوب ..
وربك ينظر إليك ويرقب .. ويسخط ويغضب .. والملائكة تسجل وتكتب .. وتحصي وتحسب ..
وأنت سادر في غفلاتك ..
أفلا تصبر على فراق لذة لراحة عظيمة .. وجنات كريمة ..
فاصبر قليلاً إنما هي ساعة فإذا أصبت ففي رضى الرحمن
فالقوم كانوا يألمون ويصبرو * ن وصبرهم في طاعة الرحمن
فاتعب قليل حياتك الدنيا تجد * راحاتِها وسرورَها بجنان
بالله ما عذر أمريء هو مؤمن * حقا بهذا ليس باليقظان
بل قلبه في رقدة فإذا استفا * ق فلبسه هو حلة الكسلان
كانوا يطيعون الله .. ويقدمون لأجله أرواحهم .. ويبذلون أموالهم .. وأبدانهم ..ولا يمنون عليه ذلك .. فهم المؤمنون حقاً ..
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ..
* * * * * * * * *
ومهما اشتد البلاء .. فهو قليل ما دام أن الجنة هي الجزاء ..
يستشعر العبد وقت بلائه .. أن الله قريب مجيب .. يسمع أناته .. ويجيب دعواته ..
يعظم له أجرَه .. ويضع عنه وزرَه .. والله لا يضيع أجر المحسنين ..
فمن تصبر على مفارقة الشهوات .. وغض بصره عن المحرمات .. وحفظ سمعه عن الأغنيات ..
وعف فرجه عن الفواحش والآثام ..ويده ورجله عن مواقعة الحرام..
بل من حاسب نفسه بما نظرت إليه عيناه .. أو سمعته أذناه ..
أو مشت إليه رجلاه .. أو لمسته يداه ..
من كان يعلم أن الله للعباد بالمرصاد .. يناقشهم الحساب ..
يراقب النظرات واللحظات .. والكلمات والهمسات ..
يحاسبهم على مثاقيل الذر .. ويراهم في البر والبحر ..
فمن كان هذا حاله ..خف في القيامة حسابه .. وحضر عند السؤال جوابه .. وحسن منقلبه ومآبه ..
وليبشر بالنعيم المقيم .. بجوار الحليم الكريم .. الذي يهون معه كل عذاب وبلاء ..
في السنة العاشرة من الهجرة ..
خرج مسيلمة الكذاب في اليمامة .. في نجد من الجزيرة العربية ..
فادعى النبوة .. وأنه رسول أنزل عليه قرآن ..
ومن قرآنه أنه كان يقول : والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً ، والخابزات خبزاً ، والثاردات ثرداً ، واللاقمات لقماً ..
ويهذي هذياناً .. يسميه قرآناً .. فاستخف قومه فأطاعوه ..
فاتبعه سفهاء رعاع .. حتى صار له جند وأتباع ..
فاغتر بقوته .. وتطاول بسطوته .. فأرسل بكتاب إلى النبي .. يقول فيه : ( من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله .. سلام عليك .. أما بعد فاني قد أشركت في الأمر معك .. وإن لنا نصفَ الأرض .. ولقريشٍ نصفَ الأرض .. ولكن قريشاً قوم يعتدون ) ..
فلما قرئ الكتاب على النبي عليه السلام .. عجب من جرأة مسيلمة على الملك العلام .. فكتب إليه ..
( بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله .. إلى مسيلمة الكذاب .. السلام على من اتبع الهدى .. أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) ..
ثم تلفت رسول الله J حوله .. ينظر في وجوه أصحابه .. يلتمس منهم رجلاً فطناً جريئاً يحمل هذا الكتاب .. إلى مسيلمة الكذاب .. فابتدر حبيب بن زيد رضي الله عنه ..
شاب ما أسرته عن خدمة الدين شهوة .. ولا انشغل عن ربه بلذة ..
امتلأ قلبه تصديقاً وإيماناً .. وقطع الليل تسبيحاً وقرآناً ..
أخذ الكتاب من يد النبي الأواب ..
ومضى به .. من المدينة إلى اليمامة .. فسار أكثر من ألف كيل .. حتى وصل إلى مسيلمة ..
فلما دخل على مسيلمة الكذاب .. ناوله الكتاب ..
فنظر مسيلمة في الكتاب .. فغضب وأزبد وأرعد ..
ثم جمع قومه حوله ..
وأوقف حبيب بن زيد بين يديه .. وسأله عن هذا الكتاب ..
فقال حبيب : هو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فقال مسيلمة : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ ..
قال حبيب : نعم .. أشهد أن محمداً رسول الله ..
قال : وتشهد أني رسول الله ؟
فقال له حبيب مستهزئاً : إن في أذني صمماً عما تقول .. يعني أنت أقل وأذل .. من أن يُسمع كلامك ..
فأعاد عليه مسيلمة : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ ..
قال حبيب : نعم .. أشهد أن محمداً رسول الله ..
قال : وتشهد أني رسول الله ؟ فقال حبيب : إني لا أسمع شيئاً !!
فأعاد عليه السؤال .. فكرر حبيب الجواب ..
فغضب مسيلمة .. ودعا السياف ..
وأمره أن يطعن بالسيف في جسد هذا الفتى .. وهو يكرر عليه السؤال .. ولا يسمع إلا جواباً واحداً .. لا يزيده إلا غيظاً وحقداً ..
فأمر مسيلمة السياف أن يفتح فم حبيب ويقطع لسانه ..
فأمسك به الجنود وفتحوا فمه .. حتى قطع السياف لسانه الذاكر .. ثم أوقفوه بين يدي مسيلمة الفاجر .. والدماء تسيل من فمه الطاهر ..
فصاح به مسيلمة : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ ..
فأشار حبيب برأسه : نعم .. قال : وتشهد أني رسول الله ؟
فأشار برأسه : لا .. فأمر مسيلمة سيافه ..
فقطع يده .. ثم قطع رجله .. وجدع أنفه .. واحتزّ أذنه ..
وراح يقطع جسده قطعة قطعة .. ولحمه يتساقط .. ودماؤه تسيل .. وهو ينتفض على الأرض .. ويئن من الألم .. حتى مات رضي الله عنه ..
نعم .. قطع لسانه .. ومزق جسده .. وكسّرت عظامه .. في سبيل رضا الرحمن جل جلاله ..
حتى إذا أوقف بين يديه يوم القيامة .. فسأله ربه : يا عبدي لم قُطع لسانك .. وجدع أنفك .. وبترت يدك .. وسفك دمك ..
قال : في رضاك يا رب العالمين .. وما لجرح إذا أرضاكم ألم ..
نعم .. من أجلكم يا ربِّ .. تنقلب الآلام إلى غرام .. والأنات إلى لذات .. والبكاء إلى حداء .. والدماء إلى مسك وفيحاء ..
ولئن عذبت يا رب في الأرض .. فبيض وجهي يوم العرض ..
عندها يفرح ربه بلقائه .. ويبدل ألمه بنعمائه .. يرفع درجته .. ويغفر زلته .. ولعله يناجيه ربه فيقول : يا عبدي تقلب في النعيم كما تشاء..
فاليوم أنعمك نعيماً لا شقاء معه أبداً .. وأعطيك مُلكاً لا تشارك فيه أحداً ..
الملائكة يدخلون عليك من كل باب .. والنعيم بين يديك يأخذ بالألباب ..
ولدينا مزيد وزيادة .. وفرحة وسعادة ..
فآهٍ .. ما أحسن تلك المحاضرة .. مع ملِكِ الدنيا والآخرة ..
{ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } ..
نعم هو رب رحيم .. حياة القلوب في محبته .. وأنس النفوس في معرفته ..
وراحة الأبدان في طاعته .. ولذة الأرواح في خدمته ..
وكمال الألسن بالثناء عليه وذكره .. وعزها بالتعبد له وشكره ..
فأهل ذكره هم أهل مجالسته .. وأهل طاعته هم أهل كرامته ..
أما أهل معصيته فلم يقنطهم من رحمته .. فإن تابوا فهو حبيبهم .. وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم .. يبتليهم بأنواع المصائب .. لييغفر لهم المعائب ..
{ ألم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ * مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ *وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } ..
ومن الناس .. من يشتاق إلى الهداية .. ولكن يمنعه منها بغضه لبعض الصالحين .. أو مواقف وقعت له معهم .. فحمل في نفسه عليهم ..
أو تجده يعلق صلاحه واستقامته بأشخاص يعينونه على الدين .. فإذا فسدت أحوالهم .. أو فرق الدهر بينهم ..انتكس عن الدين .. وعصى رب العالمين ..
وهذا حال أولئك المرتدين .. الذين علقوا إسلامهم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم .. فما داموا يخالطونه .. ويحدثهم ويساكنونه .. فهم ثابتون على الدين .. بل قُوّام في الأسحار .. صُوّام في النهار ..
ولكن ما إن فارق سواده سوادهم .. حتى ارتدوا على أدبارهم ..وكفروا بعد إسلامهم ..
حتى قال لهم أبو بكر رضي الله عنه : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ..
نعم ..الله حي لا يموت..يسمع دعاء الداعين ..ويقبل توبة التائبين..
من لجأ إليه كفاه .. ومن فرَّ إليه قربه وأدناه ..
إن ذكره العبد في نفسه ذكره في نفسه .. وإن ذكره في ملأ ذكره في ملأٍ خير منهم ..
من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً .. ومن تقرب إليه ذراعاً .. تقرب إليه باعاً ..
ومن استقر في قلبه الإيمان .. ثبت على عبادة الرحمن .. وإن اشتد البلاء ..
وانتقل معي إن شئت إلى هناك .. انتقل إلى هناك ..
وادخل إلى المدينة ..
وانظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام .. وقد جلس مع أصحابه الكرام ..
فحدثهم عن البيتِ الحرام .. وفضلِ العمرة والإحرام ..
فطارت أفئدتهم شوقاً إلى ذاك المقام ..
فأمرهم بالتجهز للرحيل إليه .. وحثهم على التسابق عليه ..
فما لبثوا أن تجهزوا .. وحملوا سلاحهم وتحرزوا ..
فخرج صلى الله عليه وسلم مع ألف وأربعمائة من أصحابه .. مهلين بالعمرة ملبين .. يتسابقون إلى البلد الأمين ..
فلما اقتربوا من جبال مكة ..
بركت القصواء - ناقة النبي عليه السلام - .. فحاول أن يبعثها لتسير .. فأبت عليه ..
فقال الناس : خلأت القصواء .. ( أي عصت ) فقال صلى الله عليه وسلم :
ما خلأت القصواء .. وما ذاك لها بخلق .. ولكن حبسها حابس الفيل ( يعني فيل أبرهة لما أقبل به مع جيش من اليمن يريد هدم الكعبة فحبسهم الله عن ذلك ) ..
ثم قال صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله .. إلا أعطيتهم إياها ..
ثم زجرها فوثبت .. فتوجه إلى مكة .. حتى نزل بالحديبية قريباً من مكة .. فتسامع به كفار قريش .. فخرج إليه كبارهم ليردوه عن مكة .. فأبى إلا أن يدخلها معتمراً ..
فما زالت البعوث بينه وبين قريش..حتى أقبل عليه سهيل بن عمرو ..
فصالح النبي صلى الله عليه وسلم على أن يعودوا إلى المدينة..ويعتمروا في العام القادم..
ثم كتبوا بينهم صلحاً عاماً .. وفيه :
اشترط سهيل : أنه لا يخرج من مكة مسلم مستضعف يريد المدينة .. إلا رُدَّ إلى مكة .. أما من خرج من المدينة وجاء إلى مكة مرتداً إلى الكفر .. فيُقبل في مكة ..
فقال المسلمون : سبحان الله !! من جاءنا مسلماً نرده إلى الكافرين !! كيف نرده إلى المشركين وقد جاء مسلماً ..
فبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم .. شاب يسير على الرمضاء .. يرفل في قيوده .. وهو يصيح : يا رسول الله ..
فنظروا إليه .. فإذا هو أبو جندل ولد سهيل بن عمرو .. وكان قد أسلم فعذبه أبوه وحبسه .. فلما سمع بالمسلمين .. تفلت من الحبس وأقبل يجر قيوده .. تسيل جراحه دماً .. وتفيض عيونه دمعاً ..
ثم رمى بجسده المتهالك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ..والمسلمون ينظرون إليه ..
فلما رآه سهيل .. غضب !! كيف تفلت هذا الفتى من حبسه .. ثم صاح بأعلى صوته : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي ..
فقال : إنا لم نقض الكتاب بعد ..
قال : فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً ..
فقال : فأجزه لي .. قال : ما أنا بمجيزه لك .. قال : بلى فافعل .. قال : ما أنا بفاعل .. فسكت النبي ..
وقام سهيل سريعاً إلى ولده يجره بقيوده .. وأبو جندل يصيح ويستغيث بالمسلمين .. يقول :
أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً .. ألا ترون ما قد لقيت من العذاب .. ولا زال يستغيث بهم حتى غاب عنهم ..
والمسلمون تذوب أفئدتهم حزناً عليه .. فتى في ريعان الشباب .. يُشدد عليه العذاب ..
وينقل من العيش الرغيد .. إلى البلاء الشديد ..
وهو ابن سيد من السادات..طالما تنعم بالملذات..وتلذذ بالشهوات ..
ثم يجر أمام المسلمين بقيوده .. ليعاد إلى سجنه وحديده ..
وهم لا يملكون له شيئاً ..
مضى أبو جندل إلى مكة وحيداً .. يسأل ربع الثبات على الدين .. والعصمة واليقين ..
أما المسلمون فقد رجعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .. وهم في حنق شديد على الكافرين .. وحزن على المسلمين المستضعفين ..
ثم اشتد العذاب على الضعفاء في مكة .. حتى لم يطيقوا له احتمالاً ..
فبدأ أبو جندل .. وصاحبه أبو بصير .. والمستضعفون في مكة .. يحاولون التفلت من قيودهم ..
حتى استطاع أبو بصير رضي الله عنه أن يهرب من حبسه .. فمضى من ساعته إلى المدينة .. يحمله الشوق .. ويحدوه الأمل .. في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ..
مضى يطوي قفار الصحراء .. تحترق قدماه على الرمضاء ..
حتى وصل المدينة .. فتوجه إلى مسجدها ..
فبينما النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد مع أصحابه .. إذ دخل عليهم أبو بصير .. عليه أثرُ العذاب .. ووعثاءُ السفر .. وهو أشعث أغبر ..
فما كاد يلتقط أنفاسه .. حتى أقبل رجلان من كفار قريش فدخلا المسجد .. فلما رآهما أبو بصير .. فزع واضطرب .. وعادت إليه صورة العذاب ..
فإذا هما يصيحان .. يا محمد .. رده إلينا .. العهدُ الذي جعلت لنا ..
فتذكر النبي صلى الله عليه وسلم عهده لقريش أن يرد إليهم من يأتيه من مكة ..
فأشار إلى أبي بصير .. أن يخرج من المدينة ..
فخرج معهما أبو بصير .. فلما جاوزا المدينة .. نزلا لطعام .. وجلس أحدهما عند أبي بصير ..
وغاب الآخر ليقضي حاجته ..
فأخرج القاعد عند أبي بصير سيفه .. ثم أخذ يهزه .. ويقول مستهزءاً بأبي بصير : لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوماً إلى الليل ..
فقال له أبو بصير : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً .. فقال : أجل والله إنه لجيد لقد جربت به .. ثم جربت ..
فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه .. فناوله إياه .. فما كاد السيف يستقر في يده .. حتى رفعه ثم هوى به على رقبة الرجل فأطار رأسه ..
فلما رجع الآخر من حاجته ..
رأى جسد صاحبه ممزقاً .. مجندلاً ممزقاً .. ففزع .. وفرَّ حتى أتى المدينة .. فدخل المسجد يعدو ..
فلما رآه صلى الله عليه وسلم مقبلاً .. فزعاً .. قال : لقد رأى هذا ذعراً ..
فلما وقف بين يديه صلى الله عليه وسلم صاح من شدة الفزع .. قال : قُتِل والله صاحبي .. وإني لمقتول ..
فلم يلبث أن دخل عليهم أبو بصير .. تلتمع عيناه شرراً .. والسيف في يده يقطر دماً .. فقال :
يا نبي الله .. قد أوفى الله ذمتك .. قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم .. فضمني إليكم .. قال : لا ..
فصاح أبو بصير بأعلى صوته .. قال : أو .. يا رسول الله .. أعطني رجالاً أفتح لك مكة ..
فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال : ويل أمه مسعِّر حرب لو كان معه رجال..ثم تذكر عهده مع قريش فأمر أبا بصير بالخروج من المدينة ..
فسمع أبو بصير وأطاع ..
نعم .. وما حمل في نفسه على الدين .. ولا انقلب عدواً للمسلمين ..
فهو يرجو ما عند الحليم الكريم .. من الثواب العظيم .. الذي من أجله ترك أهله .. وفارق ولده .. وأتعب نفسه .. وعذب جسده ..
خرج أبو بصير من المدينة .. فاحتار أين يذهب .. ففي مكة عذاب وقيود .. وفي المدينة مواثيق وعهود ..
فمضى إلى سيف البحر في شمال جدة .. فنزل هناك .. في صحراء قاحلة .. لا أنيس فيها ولا جليس ..
فتسامع به المسلمون المستضعفون بمكة .. فعلموا أنه باب فرج انفتح لهم .. فالمسلمون في المدينة لا يقبلونهم .. والكفار في مكة يعذبونهم ..
فتفلت أبو جندل من قيوده .. فلحق بأبي بصير .. ثم جعل المسلمون يتوافدون إليه في مكانه .. حتى كثر عددهم .. واشتدت قوتهم ..
فجعلت لا تمر بهم قافلة تجارة لقريش .. إلا اعترضوا لها ..
فلما كثر ذلك على قريش ..
أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه بالله أن يضمهم إليه .. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أن يأتوا المدينة ؟
فلما وصل إليهم الكتاب .. استبشروا وفرحوا ..
لكن أبا بصير كان قد ألم به مرض الموت .. وهو يردد قائلاً : ربي العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر ..
فلما دخلوا عليه وأخبروه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم بسكنى المدينة .. وأن غربتهم انتهت .. وحاجتهم قضيت .. ونفوسهم أمنت ..
فاستبشر أبو بصير .. ثم قال وهو يصارع الموت : أروني كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فناولوه إياه ..
فأخذه فقبله .. ثم جعله على صدره .. وقال : أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله .. أشهد أن لا إله إلا الله .. وأشهد أن محمداً رسول الله .. ثم شهق ومات ..
نعم .. مات أبو بصير .. ولم يذق من لذة الدنيا شيئاً ..
مات .. وهو قد خدم الدين .. وجاهد لرب العالمين ..
مات .. لكنه استراح من عناء هذه الدار .. ويرجى أن يكون في دار القرار ..
ينظر فيها إلى وجه رب الأرض والسماء .. الذي سفك من أجله الدماء .. ومات مشرداً في الصحراء ..
* * * * * * * *
ولإن غلقت دونه أبواب الأرض .. فلعله فتحت له أبواب السماء ..
قال الله : { هذا ذكر وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } ..
فطوبى لأبي بصير .. من يثبت اليوم مثل ثباته ..
شابٌ أسعده الله بطاعته .. وحفظه برعايته .. وتولاه بعنايته ..
همه في الجد والطلب .. وبدنه في الصلاة والقُرَب ..
فلو رأيت بكاءه في الخلوات .. وعند تلاوة السور والآيات ..
لسمعت لصدره أنات .. ورأيت في وجهه حسرات ..
أذاقه الله طعم محبته .. ونعمه بمناجاته ..
فقطعه ذلك عن الشهوات .. وجانب اللذات ..
فهو راضٍ كل الرضا .. وإن اشتد عليه البلا ..
وأنت يا من لم تبتلى ببلائه .. ولم تُضَرَّ بضرائه ..
يا من تتقلب في النعم .. ولا تخشى النقم ..
يا من تنادى في الليل والنهار .. لطاعة العزيز الغفار ..
أنت يا من ملت منك الشهوات .. وتتابعت الزلات وعظمت السيئات .. أما آن لك أن تتوب .. وتترك الذنوب وتئوب ..
وربك ينظر إليك ويرقب .. ويسخط ويغضب .. والملائكة تسجل وتكتب .. وتحصي وتحسب ..
وأنت سادر في غفلاتك ..
أفلا تصبر على فراق لذة لراحة عظيمة .. وجنات كريمة ..
فاصبر قليلاً إنما هي ساعة فإذا أصبت ففي رضى الرحمن
فالقوم كانوا يألمون ويصبرو * ن وصبرهم في طاعة الرحمن
فاتعب قليل حياتك الدنيا تجد * راحاتِها وسرورَها بجنان
بالله ما عذر أمريء هو مؤمن * حقا بهذا ليس باليقظان
بل قلبه في رقدة فإذا استفا * ق فلبسه هو حلة الكسلان
كانوا يطيعون الله .. ويقدمون لأجله أرواحهم .. ويبذلون أموالهم .. وأبدانهم ..ولا يمنون عليه ذلك .. فهم المؤمنون حقاً ..
{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ..
* * * * * * * * *
ومهما اشتد البلاء .. فهو قليل ما دام أن الجنة هي الجزاء ..
يستشعر العبد وقت بلائه .. أن الله قريب مجيب .. يسمع أناته .. ويجيب دعواته ..
يعظم له أجرَه .. ويضع عنه وزرَه .. والله لا يضيع أجر المحسنين ..
فمن تصبر على مفارقة الشهوات .. وغض بصره عن المحرمات .. وحفظ سمعه عن الأغنيات ..
وعف فرجه عن الفواحش والآثام ..ويده ورجله عن مواقعة الحرام..
بل من حاسب نفسه بما نظرت إليه عيناه .. أو سمعته أذناه ..
أو مشت إليه رجلاه .. أو لمسته يداه ..
من كان يعلم أن الله للعباد بالمرصاد .. يناقشهم الحساب ..
يراقب النظرات واللحظات .. والكلمات والهمسات ..
يحاسبهم على مثاقيل الذر .. ويراهم في البر والبحر ..
فمن كان هذا حاله ..خف في القيامة حسابه .. وحضر عند السؤال جوابه .. وحسن منقلبه ومآبه ..
وليبشر بالنعيم المقيم .. بجوار الحليم الكريم .. الذي يهون معه كل عذاب وبلاء ..
في السنة العاشرة من الهجرة ..
خرج مسيلمة الكذاب في اليمامة .. في نجد من الجزيرة العربية ..
فادعى النبوة .. وأنه رسول أنزل عليه قرآن ..
ومن قرآنه أنه كان يقول : والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً ، والخابزات خبزاً ، والثاردات ثرداً ، واللاقمات لقماً ..
ويهذي هذياناً .. يسميه قرآناً .. فاستخف قومه فأطاعوه ..
فاتبعه سفهاء رعاع .. حتى صار له جند وأتباع ..
فاغتر بقوته .. وتطاول بسطوته .. فأرسل بكتاب إلى النبي .. يقول فيه : ( من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله .. سلام عليك .. أما بعد فاني قد أشركت في الأمر معك .. وإن لنا نصفَ الأرض .. ولقريشٍ نصفَ الأرض .. ولكن قريشاً قوم يعتدون ) ..
فلما قرئ الكتاب على النبي عليه السلام .. عجب من جرأة مسيلمة على الملك العلام .. فكتب إليه ..
( بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله .. إلى مسيلمة الكذاب .. السلام على من اتبع الهدى .. أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) ..
ثم تلفت رسول الله J حوله .. ينظر في وجوه أصحابه .. يلتمس منهم رجلاً فطناً جريئاً يحمل هذا الكتاب .. إلى مسيلمة الكذاب .. فابتدر حبيب بن زيد رضي الله عنه ..
شاب ما أسرته عن خدمة الدين شهوة .. ولا انشغل عن ربه بلذة ..
امتلأ قلبه تصديقاً وإيماناً .. وقطع الليل تسبيحاً وقرآناً ..
أخذ الكتاب من يد النبي الأواب ..
ومضى به .. من المدينة إلى اليمامة .. فسار أكثر من ألف كيل .. حتى وصل إلى مسيلمة ..
فلما دخل على مسيلمة الكذاب .. ناوله الكتاب ..
فنظر مسيلمة في الكتاب .. فغضب وأزبد وأرعد ..
ثم جمع قومه حوله ..
وأوقف حبيب بن زيد بين يديه .. وسأله عن هذا الكتاب ..
فقال حبيب : هو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
فقال مسيلمة : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ ..
قال حبيب : نعم .. أشهد أن محمداً رسول الله ..
قال : وتشهد أني رسول الله ؟
فقال له حبيب مستهزئاً : إن في أذني صمماً عما تقول .. يعني أنت أقل وأذل .. من أن يُسمع كلامك ..
فأعاد عليه مسيلمة : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ ..
قال حبيب : نعم .. أشهد أن محمداً رسول الله ..
قال : وتشهد أني رسول الله ؟ فقال حبيب : إني لا أسمع شيئاً !!
فأعاد عليه السؤال .. فكرر حبيب الجواب ..
فغضب مسيلمة .. ودعا السياف ..
وأمره أن يطعن بالسيف في جسد هذا الفتى .. وهو يكرر عليه السؤال .. ولا يسمع إلا جواباً واحداً .. لا يزيده إلا غيظاً وحقداً ..
فأمر مسيلمة السياف أن يفتح فم حبيب ويقطع لسانه ..
فأمسك به الجنود وفتحوا فمه .. حتى قطع السياف لسانه الذاكر .. ثم أوقفوه بين يدي مسيلمة الفاجر .. والدماء تسيل من فمه الطاهر ..
فصاح به مسيلمة : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ ..
فأشار حبيب برأسه : نعم .. قال : وتشهد أني رسول الله ؟
فأشار برأسه : لا .. فأمر مسيلمة سيافه ..
فقطع يده .. ثم قطع رجله .. وجدع أنفه .. واحتزّ أذنه ..
وراح يقطع جسده قطعة قطعة .. ولحمه يتساقط .. ودماؤه تسيل .. وهو ينتفض على الأرض .. ويئن من الألم .. حتى مات رضي الله عنه ..
نعم .. قطع لسانه .. ومزق جسده .. وكسّرت عظامه .. في سبيل رضا الرحمن جل جلاله ..
حتى إذا أوقف بين يديه يوم القيامة .. فسأله ربه : يا عبدي لم قُطع لسانك .. وجدع أنفك .. وبترت يدك .. وسفك دمك ..
قال : في رضاك يا رب العالمين .. وما لجرح إذا أرضاكم ألم ..
نعم .. من أجلكم يا ربِّ .. تنقلب الآلام إلى غرام .. والأنات إلى لذات .. والبكاء إلى حداء .. والدماء إلى مسك وفيحاء ..
ولئن عذبت يا رب في الأرض .. فبيض وجهي يوم العرض ..
عندها يفرح ربه بلقائه .. ويبدل ألمه بنعمائه .. يرفع درجته .. ويغفر زلته .. ولعله يناجيه ربه فيقول : يا عبدي تقلب في النعيم كما تشاء..
فاليوم أنعمك نعيماً لا شقاء معه أبداً .. وأعطيك مُلكاً لا تشارك فيه أحداً ..
الملائكة يدخلون عليك من كل باب .. والنعيم بين يديك يأخذ بالألباب ..
ولدينا مزيد وزيادة .. وفرحة وسعادة ..
فآهٍ .. ما أحسن تلك المحاضرة .. مع ملِكِ الدنيا والآخرة ..
{ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } ..
نعم هو رب رحيم .. حياة القلوب في محبته .. وأنس النفوس في معرفته ..
وراحة الأبدان في طاعته .. ولذة الأرواح في خدمته ..
وكمال الألسن بالثناء عليه وذكره .. وعزها بالتعبد له وشكره ..
فأهل ذكره هم أهل مجالسته .. وأهل طاعته هم أهل كرامته ..
أما أهل معصيته فلم يقنطهم من رحمته .. فإن تابوا فهو حبيبهم .. وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم .. يبتليهم بأنواع المصائب .. لييغفر لهم المعائب ..
{ ألم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ * مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ *وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } ..
صفحة 1 من اصل 2 • 1, 2
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى